ولما كان إيقاع النقمة أدل على القدرة، وكان السياق لها لما تقدم من خيانة أهل الكتاب وكفرهم وقصة ابنيّ آدم والسرقة والمحاربة وغير ذلك، قدم قوله معللاً لفعل ما يشاء بتمام الملك لا بغيره من رعاية لمصالح أو غيرها :﴿يعذب من يشاء﴾ أي من بني يقبح منه شيء ﴿ويغفر لمن يشاء﴾ أي وإن كان عمله موبقاً، لأنه لا يتصور منه ظلم ولا يسوغ عليه اعتراض.
ولما كان التقدير : لأنه قادر على ذلك، عطف عليه قوله :﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة بكل كمال ﴿على كل شيء﴾ أي شيء ﴿قدير *﴾ أي ليس هو كغيه من الملوك الذي قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه وتبعيد أعدى عدوه، وهذه القضية الضرورية ختم بها ما دعت المناسبة إلى ذكره من الأحكام، وكرَّ بها على أتم انتظام إلى أوائل نقوض دعواهم في قوله ﴿بل أنتم بشر ممن خلق﴾ [المائدة : ١٨] ولما تقرر ذلك، كان من غير شك علةً بعدم الحزن على شيء من أمرهم ولا من أمر غيرهم ممن عصي شيئاً من هذه الأحكام، كما قال تعالى :﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب منقبل أن نبرأها﴾ [الحديد : ٢٢] إلى أن قال :﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم﴾ [الحديد : ٢٣]، فقوله :﴿ياأيها الرسول﴾ أي المبلغ لما أرسل به - معلول لما قبله.
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٤٥٤
وأدل دليل على ذلك قوله تعالى ﴿ومن يرد اله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً﴾ ﴿ولا يحزنك﴾ أي لا يوقع عندك شيئاً من الحزن صنعُ ﴿الذين يسارعون في الكفر﴾ أي يفعلون في إسراعهم يف الوقوع فيه غاية الإسراع فعلَ من
٤٥٥