يسابق غيره، وفي تبيينهم بالمنافقين وأهل الكتاب بشارة بإتمام النعمة على العرب بدوام إسلامهم ونصرهم عليهم، وقدم أسوأ القسمين فقال :﴿من الذين قالوا آمنا﴾ ولما كان الكلام هو النفسي، أخرجه بتقييده بقوله :﴿بأفواههم﴾ معبراً لكونهم منافقين بما منه ما هو أبعد عن القلب من اللسان، فهم إلى الحيوان أقرب منهم إلى الإنسان، وزاد ذلك بياناً بقوله :﴿ولم تؤمن قلوبهم﴾ ولما بين المسارعين بالمنافقين، عطف عليهم قسماً آخر هم أشد الناس مؤاخاة لهم فقال :﴿ومن الذين هادوا﴾ أي الذين عرفت قلوبهم وكفرت ألسنتهم تبعاً لمخالفة قلوبهم لما تعف عناداً وطغياناً، ثم أخبر عنهم بقوله :﴿سمّاعون﴾ أي متقبلون غاية التقبل بغاية الرغبة ﴿للكذب﴾ أي من قوم من المنافقين يأتونك فينقلون عنك الكذب ﴿سمّاعون لقوم آخرين﴾ أي الصدق، ثم وصفهم بقوله :﴿لم يأتوك﴾ أي لعلة، وذكر الضمير لإرادة الكلام، لأن المقصود البغض على نفاقهم ﴿يحرفون الكلم﴾ أي الذي يسمعونه عنك على وجهة فيبالغون في تغييره وإمالته بعد أن يقيسوا المعنيين : المغير والمغير إليه، واللفظين فلا يبعدوا به، بل يأخذون بالكلم عن حده وطرفه إلى حد آخر قريب منه جداً، ولذلك، أثبت الجار فقال :﴿من بعد﴾ أي يثبتون الإمالة من مكان قريب من ﴿مواضعه﴾ أي النازلة عن رتبته بأن يتأولوه على غير تأويله، أو يثبتوا ألفاظاً من الحرف وهو الحد والطرف، وانحرف عن الشيء : مال عنه، قال الصغاني : وتحريف الكلام عن مواضعه : تغييره، وقال أبو عبد الله القزاز : والتحريف والتفعيل، من : انحرف عن الشيء.


الصفحة التالية
Icon