ولما أمر بالسر، قال مقابلاً له :﴿ودون الجهر﴾ أي لأنه أدخل في الإخلاص، ومن المعلوم انه فوق السر، وإلا لم تفد الدجملة شيئاً، ولما كان قد يكون في الأفعال، أكده بقوله :﴿من القول﴾ أي فأن ذلك يشعر بالتذلل والخضوع من غير صباح كما يناجي الملوك ويستجلب منهم الرغائب، وكما قال ﷺ للصحابة وقد جهروا بالدعاء
١٧٨
فوق المقدار "إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً" فإن المقصود حصول الذكر اللساني ليعين الذكر القلبي، والمقصود حاصل بإسماع النفس فإنه يتأثر الخيال فيتقوى الذكر القلبي، ولا تزال الأنوار تتزايد فينعكس تراجع بعضها إلى بعض حتى يزداد الترقي من ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام ولما أمر بالذكر مكيفاً بكيفية اللائقة به، أمره ﷺ بالمداومة عليه ذاكراً أحسن الأوقات له وأحقها به، لكونها لما فيها من الشغل - أدل على إيثارة لمزيد المحبة والتعظيم فقال :﴿بالغدو﴾ أي أوقات البكر، ولعله أفرده علىجعله مصدر غداً، لأنه ما ثم إلا وقيل : الغدو وجمع غدوة، فيراد حينئذ مع الصبح الضحى، وآخر كل نهار متصل بأول ليلة اليوم الثاني فسمي آخر اليوم اصيلاً لأنه يتصل بما هو أصل اليوم الثاني، وخص هذين الوقتين وإن كان المراد الدوام بتسمية كل من اليوم والليل باسم جزئه، ليذكر بالغدو الانتشار من الموت، وبالأصل السكون بالموت والرجوع إلى حال العدم فيستحضر بذلك جلال الله عز وجل فيكون ذلك حاوياً على تعظيمه حق تعظيمه.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ١٧٦