أي كلفوا أنفسهم العدول عن الله القادر على كل شيء وأخذوا ﴿أحبارهم﴾ أي من علماء اليهود، والحبر في الأصل العالم من أيّ طائفة كان ﴿ورهبانهم﴾ أى من زهاد النصارى، واراهب في الأصل من تمكنتة الرهبة في قلبه فظهرت آثارها على وجهه ولباسه، فاختص في العرف بعلماء النصارى أصحاب الصوامع ﴿أرباباً﴾ أى آلهة لكونهم يفعلون ما يختص به الرب من تحريم ما حرموا وتحليل ما حللوا ؛ وأشار إلى سفول أمرهم بقوله :﴿من دون الله﴾ أي الحائز لجميع صفات الجلال، فكانوا يعولون
٣٠٢
عليهم ويسندون أمرهم إليهم حتى أن كانوا ليتبعونهم في الحلال والحرام ﴿المسيح﴾ أي المبارك الذي هو أهل لأن المسيح بدهن القدي وأن يمسح غيره ﴿ابن مريم﴾ أى اتخذوه كذلك لكونهم جعلوه ابناً فأهلوه للعبادة بذلك مع كونه والشرب وغير ذلك من أحوال البشر الموجبة للحاجة المنافية للإلهية، ومع تصريحه لهم بأنه عبد الله ورسوله، فتطابق العقل والنقل على أنه ليس بإله.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٠٠
ولما قبح عليهم ما اختاروه لأنفسهم، قبحه عليهم من جهة كخالفة لأمره تعالى فقال :﴿وما﴾ أي فعلوا ذلك والحال انهم ما ﴿أمروا﴾ أي من كل من له الأمر من أدلة العقل والنقل ﴿إلا ليعبدوا﴾ أى ليطيعوا على وجه التعبد ﴿إلهاً واحداً﴾ أي لا يقبل القسمة بوجه لا بالذات ولا بالمماثلة، وذلك معنى وصفة بأنه ﴿عما يشركون*﴾ في كونه معبوداً أو مشروعاً ؛ ذكر ابو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي القاضي في تفسيره وغيره عن عدي ابن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى اله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال : اقطعه، فقطعته ثم اتيته وهويقرأ سورة براءة ﴿اتخذوا احبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله المسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ قلت : يا رسول! إنا لم نكن نعبدهم!قال : أجل.