ولما فهم من هذا إبطال النسيء لنه فعل أهل الجاهلية فلا تقوى فيه، كان كأنه قيل : أفما في النسيء تقوى فإن سببه إنما هو الخوف من انتهاك حرمة الله بالقتال في الشهر الذي جرمه ؟وذلك أنهم كانوا أصحاب غارات وحروب، وكانوا يحترمون الأشهر الحرم عن القتال حتى لو رأى الإنسان قاتل أبيه لا مانع منه لم يعرض له، فكان إذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم تركه، وكان يشق عليهم ترك ذلك ثلاثة أشهر متوالية، فجعلوا النسيء لذلك، فقيل تصريحاً بما أفهمه ما مضى : ليس نسيئاً -إذا أخره، أو هو اسم مفعول، أى الشهر الذي تؤخر العرب حرمته من الأشهر الحرم عن وقتها ﴿زيادة في الكفر﴾ أى لأنه على خلاف ما شرعه الله، ستر تحريم ما أظهر الله تحريمه ولما بين ما في النسيء من القباحة، تحرر أنهم وقعوا على ضد مرادهم فإنهم كانوا لو قاتلوا في الشهر الحرام قاتلوا وهم معتقدون الحرمة خائفون عاقبتها فكانوا غير خارجين عن دائرة التقوى بالكلية، فإذا هم بتحليله قد صاروا خارجين عن دائرتها بمراحل لارتكابهم فيه كل عظيمة مع الأمن لاعتقاد الحل بتحليل ذلك الذي اعتقدوه رباًُ، فكان يقول : إني لا أجاب ولا أعاب، وإنه لا مراد لقضائي، وإني حللت المحرم وحرمت صفراً-إلى غير ذلك من الكلام الذي لايليق إلا بالإله ؛ وذلك الذي معنى قوله تعالى بياناً لما قبله :﴿يضل به﴾ أي بهذا التأخير الذي هو النسيء ﴿الذين كفروا﴾ أى يحصل لهم بذلك ضلال عما شرعه الله-هذا على قراءة الجماعة والمعنى على قراءة حمزة والكسائي وحفص-بالبناء للمفعول : يضلهم مضل من قبل الله، وعلى قراءة يعقوب - بالضم : يضلهم الله ؛ ثم بين ضلالهم بقوله :﴿يحلونه﴾ أي ذلك الشهر، وعبر
٣٠٨


الصفحة التالية
Icon