فيها من الفساد الذي يظن أنه صلاح :﴿فلا﴾ - بفاء السبب، فالسياق ابلغ من سياق الآتية بعد النهي عن الصلاة عليهم ﴿تعجبك أموالهم﴾ أي وإن أنفقوها في سبيلي وجهزوا بها الغزاة.
فإن ذلك عن غير إخلاص منهم ولا حسن نية ولا جميل طوية، وإنما هو لما اذلهم من عزة الإسلام واخافهم من سطوة الانتقام فهو من جملة العذاب، وعطف عليها الأولاد لمشاركتها لها في الملاذ والقوة والاستعمال في الجهاد، فقال مؤكداً للنفي بإعادة النافي :﴿ولا أولادهم﴾ فكأنه قيل : فماذا يراد بإعطائهم ذلك ؟ولو منعوها واعطيها المخلصون لكان قوة للدين، فقال :﴿إنما يريد الله﴾ أى يوقع الإرادة لهم بها الملك الذي له الإحاطة بجميع الحكمة كما أن له الإحاطة بتمام القدرة، وأبلغ في الحصر بإدخال اللام في قوله :﴿ليعذبهم﴾ أي لأجل ان يعذبهم ﴿بها في الحياة﴾ أي وإن كان يتراءى أنها لذيذة، لأن ذلك من شأن الحياة فإنما هي لهم موت في الحقيقة ﴿الدنيا﴾ أي تارة بجمعها وتربتها وتارة ببذلها كرهاً في سبيل الله أو في تزكيتها وتارة بغيرذلك ﴿وتزهق﴾ أي وغنما يريد بتمكنهم منا لأجل أن يخرج وقت الموت بغاية الصعوبة ﴿أنفسهم﴾ أي بسببها ﴿وهم﴾ أى والحال انهم ﴿كافرون*﴾ أى عريقون في الكفر، وهكذا كل من اراد استدراجه سبحانه فإنه في الغالب يكثر اموالهم وأولادهم لنحو هذا لأنهم إذ رأوا زيادتهم بها على بعض المخلصين ظنوا لدليله وأوضح لسبيله ؛ فالحاصل أنه ظهر لهم أنهم اكرموا بها وخفي عنهم أنها سبب لعذابهم في الحياة باتكالهم عليها، وفي الممات بصعوبته عليهم المشار إليه بالزهوق، وفي الآخرة بسبب موتهم على حال الكفر باستدراجهم بها، وأما المؤمن فلا يموت حتى يرى من الثواب ما يسليه عن كل شيء فيشتاق إلى لقاء الله وتخرج نفسه وهو في غاية المحبة لخروجها لأن البدن عائق له عما يرى.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٣٣