ولما كان من المقرر انه لا بد لهم من جزاء، وأن النفس تتشوف إلى معرفته، قال :﴿ومأواهم﴾ أى في الآخرة ﴿جهنم جزاء﴾ أي لأجل جزائهم ﴿بما كانوا يكسبون*﴾ أي فلا تتكلفوا لهم جزاء غير ذلك بتوبيخ ولا غيره ؛ المرتبة ؛ الثالثة الحلف للرضى عنهم فقال :﴿يحلفون لكم﴾ أي مجتهدون في الحلف بمن تقدم أنهم يحلفون به وهو الله ﴿لترضوا عنهم﴾ خوفاً من غائلة غضبكم ﴿فإن ترضوا عنهم﴾ أي لمجرد أيمانهم المبني على عدم إيمانهم ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الغنى المطلق ﴿لا يرضى﴾ عنهم، هكذا كان الأصل ولكنه قال :﴿عن القوم الفاسقين*﴾ إشارة إلى تعليق الحكم بالوصف وتعميماً لكل من اتصف بذلك، والمعنى أنه لا ينفعهم رضاكم وتكونون به مخالفين الله، فهو في الحقيقة نهي للمؤمنين عن الرضى عنهم، أبرز في هذا الأسلوب العجيب المرقص، وفي ذلك رد على من يتوهم أن رضى المؤمنين لو رضوا عنهم يقتضي رضى الله، فإن ذلك رد نزعة مما يفعل الأخبار والرهبان في رضاهم وغضبهم وتحليلهم ونحرسيمهم الذي يعتقد أتباعهم أنه عن الله تعالى.
ولما ترتب سبحانه الاستئذان في العقود والرضى بما فيه من الدناءة على عدم الفقه تارة والعلم اخرى وختم بصنف الأعراب، بين أن الأعراب أولى بذلك لكونهم أعرق في هذا الوصف وأجرأ على الفسق لبعدهم عن معدن العلم وصرفهم أفكارهم في غير ذلك من أنواع المخازي لتحصيل المال الذي كلما داروا عليه طار عنهم فأبعد.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٧٥