فهم لا يزالون في همه قد شغلهم ذلك عن كل هم وهم يحسبون انهم يحسبون صنعاً فقال تعالى :﴿الأعراب﴾ أي اهل البدو ﴿اشد﴾ أى من اهل المدر ﴿كفراًُ ونفاقاً﴾ لبعدهم عن دار الهجرة ومعدن العلم وجفائهم بأن مرائي قلوبهم لم تصقل بأنوار الكتاب والسنة ﴿وأجدر أن﴾ أي وأحق بأن ﴿لا يعلموا﴾ ولما كان الإحجام أصعب من الإقدام، وأطراف الأشياء المختلطة في غاية الإلباس، قال :﴿حدود ما أنزل الله﴾ أي المحيط علماً وحكمة بكل شيء ﴿على رسوله﴾ أي الذي أعلم الخلق من القرآن والشرائع والأحكام لعدم إقبالهم عليه بغيره فإن الله يعلم ذلك منهم ﴿والله﴾ أي الذي له
٣٧٧
جميع صفات الكمال ﴿عليم﴾ أي بالغ العلم بكل شيء ﴿حكيم*﴾ أي بالغ الحكمة فهو يضع الأشياء في أتم محالها.
ولما أثبت هذا الوصف لهذا الصنف بين أن أفراده انقسموا إلى من ثبت على ما هو الأليق بحالهم، وقسم نزع إلى ما هو الأليق باهل المدر، كما انقسم أهل المدر إلى مثل ذلك، وبدأبالخبيث لأنه الأصل فيهم فقال :﴿ومن الأعراب﴾ أي المذكروين ﴿من يتخذ﴾ أي يتكلف غير ما تدعو إليه الفطرة الأولى من الأريحية والهمم العلية بأن يعد ﴿ما ينفق مغرماً﴾ أى فلا يبذله إلا كرهاً ولا يرى له فائدة أخروية بل يراه مثل الصنائع بالنهب ونحوه ﴿ويتربص﴾ أي يكلف نفسه الربص، وهو أن يسكن ويصبر وينتظر ﴿بكم الدوائر﴾ أى الدواهي التي تدور بصاحبها فلا يتخلص منها، وذلك ليستريح من الإنفاق وغيره مما ألزمه به الدين.
ولما تربصوا هذا التربص، دعا عليهم بمثل ما تربصوا فقال :﴿عليهم دائرة السوء﴾ أي دائماً لا تنفك إما لا تنفك إما بإذلال الإسلام وإما بعذاب الاصطلام، فهم فيما أرادوه بكم على الدوام، وقراءة ابن كثير عمرو بضم السين على أن معناه الشر والضر، وقراءة الباقين بالفتح على أنه مصدر، فهو ذم للدوائر.