ولما أخبر عن سرائرهم، اخبر عن نفاقهم في ظواهرهم بقوله :﴿وليحلفن﴾ أي جهد إيمانهم ﴿إن﴾ أي ما ﴿اردنا﴾ أى باتخاذ ﴿إلا الحسنى﴾ أي من الخصال ؛ ثم كذبهم بقوله :﴿والله﴾ أي الذي له الإحاطة الكاملة ﴿يشهد﴾ أي يخبر إخبار الشاهد ﴿إنهم لكاذبون*﴾ وقد بان بهذا كله ان سبب فضيحتهم ما تضمنه فعلهم من عظيم الضرر للغسلام وأهله ؛ ثم قال ناهياً عن غجابتهم إلى ما ارادوا به من التلبيس إنتاجاًعن هذا الكلام الذي أمضى من السهام :﴿لا تقم فيه﴾ أي مسجد الضرار ﴿أبداً﴾ أي سواء تابوا او لا، وأراد بعض المخلصين ان يأخذه أولاً، أى لا بد من إخرابه ومحو أثره عن وجه الأرض.
ولما ذمه وذم أهله، مدح مسجد النبي ﷺ، إما الذي بالمدينة الشريفة وغما الذي ببني عمرو بن عوف بقباء على الخلاف في ذلك.
وهو الذي اتخذ في أول الإسلام مسجداً إحساناً وإيماناُ وجمعاً بين الؤمنين وغعداداً لمن صادق الله ورسوله، ومدح أهله غرشاج لكل من كلن مال إليه من المؤمنين لقرب او غيره إلى العوض عنه، ولعله أبهم تعيينه وذكر وصفه ليكون صالحاً لكل من المسجدين.
لما اتصف بهذا الوصف من غيرهما فقال مؤكداً تعريفاً بما له من الحق ولما للمنافقين من التكذيب :﴿لمسجد أسس﴾ أي وقع تاسيسه ﴿على التقوى﴾ أي فأحاطت التقوى به لأنها إذا أحاطت بأوله أحاطت بآخره ؛ ولما كان التأسيس قد تطول مدة ايامه
٣٨٦
فيكون أوله مخالفاً لآخره، قال :﴿من أول يوم﴾ أي من أيام تأسيسه، وفيه إشارة إلى ما تقدم من احتمال أن يريد احد من اهل الإخلاص أن يتخذه مصلى، فبين انه لايصلح لذلك لأن تأسيسه كان لما هو مباعد له ﴿احق أن تقوم فيه﴾ أي بالصلاة والوعظ وغيره من مسجد لم يقصد به التقوى على التقدير فرض محال إلا في ثاني الحال.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٨٣