كل العجب منكونه بنى هذا البناء هكذا، فأجيب بانه لا عجب لأن الأمر بيد الله، لا مفر من قضائه، وهو قد هدى الأول إلى ما فيه صلاحه، ولم يهد الثاني لما علم فيه من عدم قابلية الخير ﴿والله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿لا يهدي القوم﴾ أي الذين لهم قوة المحاولة لما يريدون ﴿الظالمين*﴾ أي المطبوعين على ظلام البصائر، فهم لا يكفرون في شيء إ لا جاء في غير موضعه وعلى غير نظام كخطوات الماشي في الظلام، وقد علم ان الاية من ثانياً، واثبت ثانياً ضعف البناء حساً لن مسجد الضرار أولى به، فدل على حذف ضده أولاً، فذكر النهاية المعقولة لأهلها والبداية المحسوسة للناظرين لها ؛ وروي عن جابر رضي الله عنه قال : رأيت الدخان من مسجد الضرار ؛ وحكي عن خلف بن يسار انه راى فيه حجراً يخرج منه الدخان في اول دولة بني العباس.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٨٧
ولما كان ما تقدم غير قاطع في إخرابه لما ثبت للمساجد من الحرمة، استأنف الإخبار عن أنه لا يعد في عداد المساجد بوجه، وإنما هو في عداد بيوت الأنام فهو واجب الإعدام فقال :﴿لا يزال بنيانهم﴾ نفس المبنى وهو المسجد ﴿الذي بنوا ريبة﴾ أي شكاً ونفاقاً ﴿في قلوبهم﴾ كما بيوت الصنام كذلك لأهلها، فكان ذلك حثاً على إخرابه ومحوه وقطع اثره.
والمعنى انه جامع لهم على الريبة في كل زمان يمكن أن يكون ﴿إلا أن﴾ ولما كان القطع محصلاً للمقصود من غير نظر إلى قاطع معين، قال بانياً للمفعول :﴿تقطع قلوبهم﴾ أي إلا يوجد فيه القطع البليغ الكثير لقلوبهم وعزائمهم ويباعد بينهم ويفرق شملهم بإخراجه، وقراءة يعقوب ب " إلى " الجارة واضحة في المراد، أو يكون المراد أنه لايزال حاملاً لهم على التصميم على النفاق إلى أن يموتوا، فهو كناية عن عدم توبتهم.


الصفحة التالية
Icon