وكان الخليل عليه السلام المأمور بالاقتداء به واللزوم بملته قد استغفر لأبيه، بين أنه كان أيضاً قبل العلم بما في نفس الأمر من استحقاقه للتأبيد في النار، فقال دالاً بواو العطف على التقدير : فما استغفرلهم بعد العلم أحد من المؤمنين :﴿وما كان استغفار إبراهيم﴾ أي خليل الله ﴿لأبيه﴾ أي بعد أن خالفه في الدين ﴿ث﴾ إلا عن موعده أي وهي قوله ﴿لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء﴾ [الممتحنة : ٤] وأكد صدور الوعد بقوله :﴿وَعَدَها إياه﴾ أي الخليل لأبيه قبل أن يعلم أنه أبدى الشقاوة، والذي يدل على أنه كان قبل علمه بذلك قوله :﴿فلما تبين له﴾ أى بياناً شافياً قاطعاً ﴿أنه عدو لله﴾ أي الملك الأعلى أنهمؤبد العداوة له بموته على الكفر أو بالوحي بأنه يموت عليه ﴿تبرأ﴾ أى أكره نفسه على البراءة ﴿منه﴾ ثم علل ما أفهمته صيغة التفعل من الشفقة على العباد ؛ قال الزجاج : والتأوه أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء ﴿حليم*﴾ أي شديد التحمل والأغضاء عن المؤذى له، هكذا خلقه في حد ذاته فكيف في حق أبيه ولو قال له ﴿لأرجمنك واهجرني﴾ [مريم : ٤٦] وأضعاف ذلك ؛ قال الإمام ابو محمد إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل البستي القاضي في تفسيره : حدثنا حرملة الله مسعود رضي الله عنه " ان رسول الله ﷺ خرج يوماً وخرجنا معه حتى انتهى إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه فناجاه طويلاً ثم ثم ارتفع نجيب رسول الله ﷺ باكياً فبكينا لبكاء رسول الله ﷺ، ثم أن النبي ﷺ أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ما الذي أبكاك يا نبي الله فقد فقد ابكانا وأفزعنا، فأخذ بيد عمر رضي الله عنه ثم أقبل إلينا فأتيناه فقال :"أفزعكم بكائي ؟" قلنا : نعم يا رسول الله!قال :"إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنتربي في الاستغفار لها فلم ياذن لي ونزل


الصفحة التالية
Icon