ولما كان هذا أمراً باهراً يتعظ به من له بصيرة، سبب عنه أمر أعلى الخلق فهما بنظره إشارة إلى أنه لا يعتبر به حق الاعتبار غيره فقال :﴿فانظر﴾ وأشار إلى أنه أهل لأن يبحث عن شأنه بأداة الاستفهام، وزاد الأمر عظمة بذكر الكون فقال :﴿كيف كان﴾
٤٦٧
أي كوناً كان كأنه جبلة ﴿عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿المنذرين*﴾ أي الغريقين في هذا الوصف وهم الذين أنذرتهم الرسل، فلم يكونوا أهلاً للبشارة لأنهم لم يؤمنوا لنعلم أن من ننذرهم كذلك، لا ينفع من أردنا شقاوته منهم إنزال آية ولا إيضاح حجة ؛ والتوكل : تعمد جعل الأمر إلى من يدبره للتقدير في تدبيره ؛ والغمة : ضيق الأمر الذي يوجب الحزن ؛ والتولي : الذهاب عن الشيء ؛ والأجر : النفع المستحق بالعمل ؛ والإسلام الاستسلام لأمر الله بطاعته بأنها خير ما يكتسبه العباد.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٦٤
ولما لم يكن في قصص من بينه وبين موسى عليهم السلام مما يناسب مقصود هذه السورة إلا ما شاركوت فيه قوم نوح من أنهم لم تنفع الآيات من أريدت شقاوته منهم، ذكره سبحانه طاوياً لما عداه فقال تعالى :﴿ثم﴾ أي بعد مدة طويلة ﴿بعثنا﴾ أي على عظمتنا ؛ ولما كان البعث لم يستغرق زمان البعد، أدخل الجالر فقال :﴿من بعده﴾ أي قوم نوح ﴿رسلاً﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام.
ولما كان ربما ظن أن قوم الإنسان لا يكذبونه، وإن كذبوه لم يتمادوا على التكذيب ﴿فجاءوهم﴾ أي فتسبب عن استنادهم إلى عظمتنا أن جاؤوهم ﴿بالبينات﴾ لزيزول تكذيبهم فيؤمنوا ﴿فما﴾ أي فتسبب عن ذلك ضد ما أمروا له وقامت دلائله وهو أنهم ما ﴿كانوا﴾ أي بوجه من وجوه الكون ﴿ليؤمنوا﴾ أي مقرين ﴿بما كذبوا﴾ أي مستهنين ﴿به﴾ أول ما جاؤوهم.