من العلم، وكان ﷺ كما نمضى في اخر التي قبلها أشفق الخلق لا سينا على العرب لا سيما على قومه منهم، وكانت الوصية قد برزت من الجناب الإلهي له بما يوافق طبعه من بذل الجهد في ملاطفتهم، كان ذلك جديراً بأن يحرك طبع البشر لتمني الإجابة لما يقترحون، وكان طلب ذلك بعد الفطام عنه من أفعال الشك في الجملة فاريد صرف النفس عنه بالكلية ولو بالخطورة في البال فقيل مسبباً عما قبله :﴿فإن كنت﴾ أي يا ارحم الخلق ﴿في شك﴾ ولم يرد بهذا الكلام حقيقته - والله أعلم - بل تقوية اليقين وتأكيده ورسخوه وتأييده بأن هذا أمر قد عزم عليه وفرغ منه فلا يحتمل مراجعة، وذلك لأن المعنى أن ثباتهم على الشقاوة أمر لا يعلم إلاّ من قبلنا، وذلك بأحد أمرين : إما بواسطة الأمين جبرئيل بما يأتي به من الوحي عنا غضاَ طرياً محفوظاً من الغير فلا تحريف فيه لا تبديل، وإما بواسطة أهل الكتاب عن أنبيائهم - وفي ذلك نزول درجتين مع تجويز التخويف والتبديل، وهذا ما لا يرضاه ذو همة علية ونفس ابية - فالمعنى : انا قد اخبرتك بأن الآيات لا تزيد المقتضي بشقائه إلاّ ضلالاً وأنا خبير بذلك ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾ فلا تطلب إجابتي إياهم إلى ما يقترجحون عليك رجاء إيمانهم فإنهم لا يؤمنون بذلك ﴿فإن كنت﴾ أى في وقت من الأوقات ﴿في شك﴾ أى ولو قل ﴿ممآ أنزلنا﴾ أي بعظمتنا واصلاً على لسان الواسطة ﴿إليك﴾ في ذلك ﴿فسئل﴾ أى بسبب ذلك الشك ﴿الذين يقرءون﴾ أي متتابعين لذلك ﴿الكتاب﴾ أى السماوي من اليهود والنصارى، فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزلنا إليك على حج عظيم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٧