ومن آمن منهم أو كان منصفاً جدير بأن يزداد من فاوضه في ذلك إيماناً ؛ ولما كانوابعض من أوتي الكتاب في الزمن السالف، أثبت الجار فقال :﴿من قبلك﴾ ةوهم عن ذلك الخر بمراحل، فلا تجنح إلى سؤال غيري، وهذا مضمون قوله تعالى مؤكداً آتياً بحرف التوقع لأن كلاًّ من الأمرين في أحق مواضعه :﴿لقد جآءك الحق﴾ أي الثابت الكامل ثباته وهو إمضاء العدل فيهم ؛ وزاده تشريفاً وترغيباً فيه بقوله :﴿من ربك﴾ أى المحسن إليك باصطفائك لذلك، فلذا سيق مساق البيان له من غير واو، فإذا ثبت أنه الحق أى الثابت أعلى الثبات تسبب عنه البعد من تزلزل من جاءه، فناسب أتباعه بقوله :﴿فلا تكونن﴾ اكده لأنه حقيق بأن لا ينثني عنه احد بوجه من الوجوه ﴿من الممترين﴾ أي الغافلين عن آيات الله فتطلب الفضل لأهل العدل ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا والله! ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم.
ولما نهى عن ذلك لم يبق مما اقتضته القسمة العقلية إلاّ النعاد ممن يمكن منه كما فعل بنو إسرائيل بعد مجيء العلم فأتبعه النهي عن مثل حالهم بقوله :﴿ولا تكونن﴾ أي
٤٨٨
بوجه من الوجوه، والمراد بهذا اتباعه ﴿من الذيمن كذبوا﴾ أى فعلوا فعل المكذب مستهينين ﴿بآيات الله﴾ أي التي لا أعظم منها بإضافتها إلى من لا أعظم منه ﴿فتكون﴾ أى كوناً راسخاً ﴿من الخاسرين﴾ بل اثبت على ما أنت عليه من اليقين والطمأنينة والثقة بالله والسكينة، وهذا ونحوه مما غلظت فيه العبارة دلالة على مزيد قرب المخاطب وإن كان المراد غيره وعظيم منزلته ولطيف خصوصيته كما مضى بيانه عن الإمام أبي الحسن الحرالي رحمه الله في سورة براءة عند قوله تعالى ﴿عفا الله عنك﴾ [براءة : ٤٣] - الآية، وتغليظ العبارة فيه تديب عظيم لتابعيه ؛ والشك : الوقوف بين النقيضين، وهو من شك العود فيما ينفذ فيه، لأنه يقف بذلك الشك بين جهتيه ؛ والإنزال : نقل الشيء من علو إلى سفل ؛ والامتراء ؛ طلب التشكك مع ظهور الدليل، من مري الضرع وهو مسحه ليدر.