ولما كن هذا ظاهراً في الكل، صرح به مؤكداً لأن المقام يقتضيه فقال :﴿كلهم جميعاً﴾ أى مجتمعين فيآن واحد لا يختلفون في شيء منه، ولكن لم يشأ ذلك وأنت لحرصك على امتثال أوامري ووصيتي لك باللطف بخلقي الموافق لما جلبتك عليه من الخير تريد ذلك ﴿أفأنت تكره الناس﴾ أي الذين لم يرد الله إيمانهم مع كا طبعهم عليه من الاضطراب ﴿حتى يكونوا﴾ أي كوناً جبلياً ﴿مؤمنين﴾ أى راسخين في الإيمانن وإيلاء الاستفهام الاسم مقدماً عل الفعل للإعلام بأن الفعل - وهو هنا الإكراه - ممكن من غير ذلك الاسم وهو هنا الله وحده القادر على تحويل الطباع فإن قدرته قاهرة لكل شيء
٤٩٠
ومشيئته نافذة في كل شيء مع الدلالة على أن وقوع المشيئة مستحيل لا يمكن لغيره تعالى بإكراه ولا غير، والمشيئة معنى يكون به الفعل مراداً آخذت من الشيء، والمراد بالآية تخفيف ما يلحق النبي ﷺ من التحسر للحرص على إيمانهم ﴿وما كان﴾ أى وما ينبغي ولا يتأتى ﴿لنفس﴾ أي واحدة فما فوقها ﴿أن تؤمن﴾ أى يقع منها إيمان في وقت ما ﴿إلاّ بإذن الله﴾ أي بإرادة الملك الأعلى الذي له الخلق والأمر وتمكينه، فيجعل الثبات والطمأنينة - اللازمين للإيمان الذي هو ابعد شيء عن السحر - على الذين ينتفعون بعقولهم فيلزمون معالي الأخلاق التي هي ثمرات للإيمان ﴿ويجعل الرجس﴾ أى الاضطراب والتزلزل الذي يلزمه التكذيب الذي هو أشبه شيء بالسحر لأنه تخييل ما لا حقيقة له والقذر والقباحة والغضب والعقاب الناشىء عنه.
ولما كان ما في هذه السورة من الدلائل قد وصل في البيان إلى حد لا يحتاج فيه إلى غير مجر العقل قال :﴿على الذين لا يعقلون﴾ أي لا يوجد لهم عقل، فهم لذلك لا ينتفعون بالآيات وهم يدعون أنهم اعقل الناس فيتساقطون في مساوىء الأخلاق وهم يدعون أنهم ابعد الناس عنها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ؛ والنفس : خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم يبطل ذلك الشيء، ونفسه وذاته واحد.