جزء : ٣ رقم الصفحة : ٤٨٩
ولما تقرر ما مضى من النهي عن الإضغاء إليهم في طلب الآيات، وختم بتعليق الأمر بمجرد المشيئة، كان كأنه قيل : فماذا يقال لهم إذا طلبوا ؟ فقال :﴿قل﴾ أي يا أشرف الخلق لهم غير مهتم بأمرهم ومنبهاً لهم على إبطال مذهب الجبر المتعلق أصحابه بنحو هذه الآية، لأن المشيئة مغيبة والعبد مأمورببذل الجهد في الطاعة بما له من القدرة والاختبار.
ولما أمر بهذا الفكر فكان ربما ظن لأجله أن للإنسان قدرة مستقلة، نبه على مذهب أهل السنة القائل بالكسب الذي هو - كما قال الإمام علي رضي الله عنه - أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، فقال معلماً أن من حكم بشقائه لا ينفعه شيء :﴿انظروا﴾
٤٩١
أي بأبصاركم وبصائركم لتخرجوا بالانتفاع بالعقل عن عداد البهائم ؛ قال الإمام : ولو أن الإنسان تفكر ي كيفية حكمه الله تعالى في خلق جناح بعوضة لانقطاع فكره قبل أن يصل إلى أول مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد، فلذلك أبهم في قوله :﴿ماذا﴾ أي الذي ﴿في السماوات والأرض﴾ أي من الآيات وواضح الدلالات التي أخرجتموها - فإلفكم لها - عن عداد الآيات، وهي عند التأمل من أعظم خوارق العادات، وقال الإمام : فكأنه سبحانه نبه على القاعدة الكليه حتى يتنبه لأقسامها، وقال أبو حيان أخذاً من الإمام : السبيل إلى معرفته تعالى هو بالتفكر في مصنوعاتهن ففي العالم العلوي في حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها والكواكب وما يختص بذلك من المنافع والفوائد، وفي العالم السفلي في أحوال العناصر والمعادن والنبات والحيوان وخصوصاً حال الإنسان - انتهى.