ولما تقدم الفطام عن الميل يطلب الآيات، وكان طلبهم لها إنما هو على وجه الشك، وإن لم يكم على ذلك الوجه فإنه فعل الشاك غالباً وتقدمت أجوبة لهم، وختم ذلك بتهديدهم وبشارة المؤمنين الموجبة لثباتهم، ناشبة كل المناسبة أن أتبعت الأمر بجواب آخر دال على ثباته ﷺ وأنه مظهر دينه رضي من رضي وسخط من سخط، لأن البيان قد وصل إلى غايته في قوله تعالى :﴿قل يا أيها الناس﴾ أي الذين هم في حيز الاضطراب، لم ترقهم هممهم إلى رتبة الثبات ﴿إن كنتم﴾ أي كوناً هو كالجبلة منغمسيين ﴿في شك﴾ كائن ﴿من﴾ جهة ﴿ديني﴾ تطلبون لنزوله - بعد تكفل العقل بالدلالة عليه - إنزال الآيات، فأنا لست على شك من صحة ديني وبطلان دينكم فاعرضوه على عقلوكم وانظروا ما فيه من الحكم مستحضرين ما لدينكم من الوهي الذي تقدم بيانه في قوله تعالى ﴿قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق﴾ [يونس : ٥٩] ونحوه ﴿فلا أعبد﴾ أي الآن ولا في المستقبل الزمان ﴿الذين تعبدون﴾ أي الآن أو بعد الآن ﴿من دون الله﴾
٤٩٣
أي الملك الأعظم لعدم قدرتهم على شيء من ضري، فلا تطمعوا في أنه يحصل لي شك بسبب حصول الشك لكم، فإذاً لا أعبد غير الله أصلاً.
ولماكان سلب عبادته عن غيره ليس صريحاً في إثباتها له قال :﴿ولكن أعبد الله﴾ ايالجامع لأوصاف الكمال عبادة مسستمرة ؛ ثم وصفه بما يوجب الحذر منه ويدل على كمال قدرته ﴿الذي يتوفاكم﴾ بانتزاع أرواحكم التي لا شيء عندكم يعدلها.
فلا تطمعون - عند إرادنه لنزعها - في المحاولى لتوجيه دفاع عن ذلك.