ولما الزبد أحسن مثل لمعبوداتهم، وكان لا يختص بالماء الذي هو مائع بطبعه بجمع الأوضار والأقذار بجريه، وذكر معه ما يشبهه في النفع من الجوامد الصلبة التي تزبد عند الإذابة مع كونها في حال الجمود في غاية الصفاء والخلوص عن الشوائب على ما يظهر، فقال :﴿ومما يوقدون﴾ أي إيقاداً مستعلياً ﴿عليه﴾ أي للإذابة ﴿في النار﴾ من المعادن ﴿ابتغاء حلية﴾ تتحلون بها من الأساور والحلق ونحوها ﴿أو﴾ ابتغاء ﴿متاع﴾ تتمتعون به من الدراهم والدنانير والسيوف والأواني ونحوها، وأصل المتاع :
١٤٠
التمتع الحاضر، فهذا تقسيم حاصر لأنواع الفلز المنوه إليها مع إظهار التهاون به وإن تنافس الناس فيه كما هو شأن الملوك يظهرون المجد والفخار بالاستهانة بما يتنافس الناس فيه ﴿زبد مثله﴾ أي مثل زبد الماء يكشط عن وجهه أو يعلق بأطراف الإناء فيذهب ويبقى ذلك الجوهر خالصاً كالحق إذا زالت عنه الشكوك وانزاحت الشبه.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١٤٠
ولما كان هذا في غاية الحسن والانطباق على المقصود، كان سامعه جديراً بأن يهتز فيقول : هذا مما لا يقدر على سوقه هكذا إلا الله تعالى، فيا له من مثل! فأجيب قوله :﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الضرب، لعلى الرتب، الغريب العجب، المتين السبب ﴿يضرب الله﴾ أي الذي له الأمر كله ﴿الحق والباطل﴾ أي مثلهما ؛ وضرب المثل : تسييره في البلاد يتمثل به الناس.
ولما نبه بهذا الفصل على علو رتبه هذا المثل، شرع في شرحه، فقال مبتدئاً بما هو الأهم في هذا المقام، وهو إبطال الباطل الذي أضلهم، وهو في تقسيمه على طريق النشر المشوش، فقال :﴿فأما الزبد﴾ أي الذي هو مثل للباطل المطلق ﴿فيذهب﴾ متعلقاً بالاشجار وجوانب الأودية لأنه يطفو بخفته ويعلق بالأشياء الكثيفة بكثافته ﴿جفاء﴾ قال أبو حيان : أي مضمحلاً متلاشياً لا منفعة فيه لا بقاء له ؛ وقال ابن الأنباري : متفرقاً، من جفأت الريح الغيم - إذا قطعته، وجفأت الرجل : صرعته - انتهى.


الصفحة التالية
Icon