ويوشع عليه السلام ينظر ذلك، وكأن المجمع كان ممتداً، فظن موسى عليه السلام أن المطلوب أمامه أو ظن أن المراد مجمع آخر فسار ﴿فلما جاوزا﴾ أي موسى وفتاه عليهما السلام ذلك الموضع من المجمع تعب، ولم يتعب حتى جاوز المكان الذي أمربه معجزةً أخرة، فلما جاع وتعب ﴿قال لفتاه ءاتنا﴾ أي أحضرلنا ﴿غداءنا﴾ أي لنتقوى به على ما حصل لنا من الإعياء، ولذلك وصل به قوله تعالى :﴿لقد لقينا من سفرنا﴾ أي الذي سافرناه في هذا اليوم خاصة، ولذلك أشار إليه بأداة القرب فقال تعالى :﴿هذا نصباً *﴾ وكان الحوت زادهم فلم يكن معه، فكأنه قيل : فما كان عن أمره ؟ فقيل :﴿قال﴾ لموسى عليه السلام معجباً له :﴿أرءيت﴾ ما دهاني ؟ ﴿إذ أوينا إلى الصخرة﴾ التي بمجمع البحرين ﴿فإني﴾ أي بسبب أني ﴿نسيت الحوت﴾ أي نسيت أن أذكر لك أمره الذي كان هناك ؛ ثم زاد
٤٨٦
التعجب من هذا النسيان بالاعتراض بين الإخبار به مجملاً وبين تفصيل أمره وبإيقاع النسيان عليه ثم على ذكره فقال تعالى :﴿وما أنسانيه﴾ مع كونه عجيباً ﴿إلا الشيطان﴾ بوساوسه.
ولما كان المقام للتدريب في عظيم تصرف الله تعالى في القلوب بإثبات العلم ونفيه وإن كان ضرورياً، ذكر نسيانه، ثم أبدل من ضميره قوله تعالى :﴿أن أذكره﴾ لك فإنه عاش فانساب من المكتمل في البحر ﴿واتخذ سبيله﴾ أي طريقه الذي ذهب فيه ﴿في البحر عجباً *﴾ وذكه له الآن مانع من أن يكون للشيطان عليه سلطان على أن هذا الإنساء ليس مفوتاً لطاعة، بل فيه ترقية لهما في معارج المقامات العالية لوجدان التعب بعد المكان الذي فيه البغية، وحفظ الماء منجاباً على طول الزمان وغير ذلك من آيات الإيقانن وقوله تعالى ﴿إنما سلطانه على الذين يتولونه﴾ [ النحل : ١٠٠] مبين أن السلطان الحمل على المعاصي، وقد كان في هذه القصة خوارق حياة الحوت وإيجاد ما كان أكل منه، وإمساك الماء عن مدخله، وقد اتفق لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه أو أتباعه ببركته مثل ذلك.