ولما كان من المعلوم أنهم لم يفعلوا، أعرض إلى أسلوب الغيبة إيذاناً بالغضب، فكان التقدير في جواب من كأنه قال : ما فعلوا ؟ : لم يطيعواأمري في الاجتماع على ما جمعتهم عليه من عبادتي التي هي سبب لجلب كل خير، ودفع كل ضير ولا افتدوا في ذلك بالكمّل من عبادي، فعطف عليه قوله ﴿وتقطعوا﴾ أي مخالفة للأمر بالاجتماع ولما كان الدين الحق من الجلاء والعظمة والملاءمة للنفوس بحيث لا يجهله ولا يأباه أحد نصح لنفسه وإن جهله، كفي أدنى تنبيه في المبادرة إليه وترك ما سواه كائناً ما كان، فكان خروج الإنسان عنه بعد أن كان عليه في غاية البعد فضلاً عن أن يتكلف ذلك بمنازعة غيره المؤدية إلى الافتراق والتباغض ولا سيما إن كان ذلك الغير قريبة أو صديقه، وكانت صيغة التفعل من القطع صريحة في التفرق، وتفيد العلاج والتلكف، وكانت تأتي بمعنى التفعيل والاستفعال، عبر بها.
جزء : ٥ رقم الصفحة : ١١٠
ولما كان البعد أن يقطع الإنسان أمر نفسه، كان تقديم الأمر أهم فقال :﴿أمرهم﴾ فنصبه بفعل التقطع لأنه بمعنى التقطيع واقعاً منهم بهم وأن يكون مستغرقاً لظرفه، قال :﴿بينهم﴾ أي فكانوا فرقاً كل فرقة على شعبة من ضلال، زينها لها هواها، فلم يدعوا شيئاً من الأمر بغير تقطيع، وكان العطف بالواو دون الفاء كما في المؤمنون لأن ترك العبادة ليس سبباً للتقطع، بل ربما كان عنه الاجتماع على الضلال، كما يكون في آخر الزمان وكما قال تعالى ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ [البقرة : ٢١٣] الآية ﴿وما تفرق الذي أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ [البينة : ٤].
١١١


الصفحة التالية
Icon