ولما كان من الوضوح في الدلائل والرسوخ في الخواطر بحيث لا يجهله أحد، أضربوا عن الغفلة فقالوا :﴿بل كنا ظالمين*﴾ أي بعدم اعتقاده واضعين الشيء في غير موضعه حيث أعرضنا عن تأمل دلائله، والنظر في مخايله، وتقبل كلام الرسل فيه، فأنكرنا ما هو أضوأ من الشمس.
جزء : ٥ رقم الصفحة : ١١٠
ولما كان هذا محلاًّ يخطر بالبال فيه آلهتهم بما يترجونه منها من النفع، قال مخاطباً لهم إرادة التعنيف والتحقير :﴿إنكم﴾ وأكده لإنكارهم مضمون الخبر :﴿وما تعبدون﴾ أيها المشركون من الأصنام والشياطين ؛ ولما كان يتعبدون له سبحانه طوعاً وكرهاً مع الإشراك، قيد بقوله دالاً على أن رتبة ما عبدوه من أدنى المراتب الكائنة تحت رتبته سبحانه :﴿من دون الله﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ؛ ولما كانوا يرمى بهم في جهنم رمي الحجارة الصغار التي تسمى الحصباء إلى المحصوب إسراعاً وإكراهاً، فيكونون وقودها من غير إخراج، قال :﴿حصب جهنم﴾ أي الطبقة التي تلقى المعذب بها بالتجهم والعبوسة والتكره ؛ ثم أكد ذلك بقوله استئنافاً :﴿أنتم لها واردون*﴾ أي داخلون دخول ورد الحمى على حالة هي بين السواد بالدخان والاحمرار باللب.
ولما قرعهم من هذا الكلام بما لا جواب لهم عنه غير المكابة، أعرض عنهم الخطاب استهانة بهم واحتقاراً لهم فقال :﴿لو كان هؤلاء﴾ أي الذين أهلوهم لرتبة الإلهية وهم في الحقارة بحيث يقذف بهم في النار قذفاً ﴿ءالهة﴾ أي كما زعم العابدون
١١٣
لهم ﴿ما ردوها﴾ أ ي جهنم أصلاً، فكيف على هذه الصفة ؛ ثم أخبر عنهم وعنها بقوله :﴿وكل﴾ أي منهم ومنها ﴿فيها﴾ أي جهنم ﴿خالدون*﴾ لا انفكاك لهم عنها، بل يحمى بكل منهم فيها على الآخر ﴿لهم﴾ أى لمن فيه الحياة من المذكورين العابدين مطلقاً والمعبدوين الراضين كفرعون ﴿فيها زفير﴾ أي تنفس عظيم على غاية من الشد والمد.
جزء : ٥ رقم الصفحة : ١١٣