الأوصاف ما هو كالعلة لذلك فقال :﴿الواحد﴾ أي الذي لا ينقسم أصلاً، ولا يكون له مثل فلا يكون له صاحبة ولا ولد، لأنه لو كان شيء من ذلك لما كان لا مجانساً ولا جنس له ولا شبه بوجه من الوجوه ﴿القهار*﴾ أي الذي له هذه الصفة، فكل شيء تحت قهره آلهتهم وغيرها على سبيل التكرار والاستمرار، فصح من غير شك أنه لا يحتاج إلى شيء أصلاً، وجُعل ما لا حاجة إليه ولا داعي يبعث عليه عبث ينزه عنه العاقل فكيف من له الكمال كله.
ولما أثبت هذه الصفات التي نفت أن يكون له شريك أو ولد، وأثبتت له الكمال المطلق، دل عليها بقوله :﴿خلق السماوات والأرض﴾ أي أبدعهما من العدم ﴿بالحق﴾ أي خلقاً متلبساً بالأمر الثابت الذي ليس بخيال ولا سحر، على وجه لا نقص فيه بوجه، ولا تفاوت ولا خلل يقول أحد فيه مناف للحكمة ولما كان من أدل الأشياء على صفتي الوحدانية والقهر، وتمام القدرة وكمال الأمر، بعد إيجاد الخافقين اختلاف الملوين، وكان التكوير - وهو إرادة الشيء على الشيء بسرعة وإحاطته به بحيث يعلو عليه ويغلبه ويغطيه - أدل على صفة القهر من الإيلاج، قال مبيناً لوقت إيجاد الملوين :﴿يكور﴾ أي خلقهما أي صورهما في حال كونه يلف ويلوي ويدير فيغطي مع السرعة والعلو والغلة تكويراً كثيراً متجدداً مستمراً إلى أجله ﴿الّيل على النهار﴾ بأن يستره به فلا يدع له أثراً، ولعظمة هذا الصنع أعاد العامل فقال :﴿ويكور النهار﴾ عالياً تكويره وتغطيته ﴿على الّيل﴾ فيذهبه كذلك ويدخل في هذا الزيادة في كل منهما بما ينقص من الآخر لأنه إذا ذهب احدهما وأتى الآخر مكانه، فكأن الآتي لف على الذاهب وألبسه كما يلف اللباس على اللابس، أو أنه شبه الذاهب في خفائه بالآتي بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامع الأبصار، أو أن كلاًّ منهما لما كان يكر على الآخر كروراً متتابعاً شبه ذلك بتتابع أكوار بعضها على بعض، فتغيب ما تحتها.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٤١٨


الصفحة التالية
Icon