ولما كان الإخبار بالخلود حين الدخول أوجع لهم قالوا :﴿خالدين﴾ أي مقدرين الخلود ﴿فيها﴾ ولما كان سبب كفرهم بالأدلة هو التكبر، سبب عن الأمر بالدخول قوله معرى عن التأكيد لأنه يقال في الآخرة ولا تكذيب فيها يقتضي التأكيد ولم يتقدم منهم هنا كذب كالنحل بل اعتراف وتندم ﴿فبئس مثوى﴾ أي منزل ومقام ﴿المتكبرين*﴾ أي الذين أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب عليهم، فلذلك تعاطوا أسبابها.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٤٧٥
ولما ذكر أحوال الكافرين، أتبعه أحوال أضدادهم فقال :﴿وسيق﴾ وسوقهم إلى المكان الطيب يدل على أن موقفهم كان طيباً لأن من كان في أدنى نكد فهيئ له مكان هنيء لا يحتاج في الذهاب إليه إلى سوق، فشتان ما بين السوقين! هذا سوق إكرام، وذاك سوق إهانة وانتقام، وهذا لعمري من بدائع أنواع البديع، وهو أن يأتي سبحانه بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم بعقابهم، ويأتي بتلك الكلمة بعينها وعلى هيئتها في حق الأبرار فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم، فسبحان من أنزله معجز المباني، متمكن المعاني، عذب الموارد والمثاني.
٤٧٨
ولما كان هذا ليس لجميع السعداء بل للخلص منهم، دل على ذلك بقوله :﴿الذين اتقوا﴾ أي لا جميع المؤمنين ﴿ربهم﴾ أي الذين كلما زادهم إحساناً زادوا له هيبة، روى أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنه قال "يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة، فقيل : ما أطول هذا اليوم" قال النبي ﷺ "والذي نفسي بيدهإنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة ".
وروى الطبراني وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال "تجتمعون يوم القيامة" فذكر الحديث حتى قال : قالوا : فأين المؤمنون يومئذ ؟ قال "توضع لهم كراسي من نور ويظلل عليهم الغمام يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار ".


الصفحة التالية
Icon