ولما كان مبنى أمر الضال على الندم ولو بعد حين، قال عاطفاً على نحو : فترى الظالمين قبل رؤية العذاب في غاية الجبروت والبطر والتكذيب بالقدرة عليهم، فهم لذلك لا يرجون حساباً ولا يخافون عقاباً :﴿وترى﴾ وقال :﴿الظالمين﴾ موضع " وتراهم " لبيان أن الضال لا يضع شيئاً في موضعه، ولما كان عذابهم حتماً، عبر عنه بالماضي فقال :﴿لما رأوا العذاب﴾ أي المعلوم مصير الظالم إليه رؤية محيطة بظاهره وباطنه يتمنون الرجعة إلى الدنيا لتدارك ما فات من الطاعات الموجبة للنجاة ﴿يقولون﴾
٦٤٣
أي مكررين مما اعتراهم من الدهش وغلب على قلوبهم من الوجل :﴿هل إلى مرد﴾ أي رد إلى دار العمل وزمانه مخلص من هذا العذاب ﴿من سبيل﴾.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٦٤٠
ولما أثبت رؤيتهم العذاب، أثبت دنوهم من محله وبين حالهم في ذلك الدنو فقال :﴿وتراهم﴾ أي يا أكمل الخلق ويا أيها المتشوف إلى العلم بحالهم بعينك حال كونهم ﴿يعرضون﴾ أي يجدد عرضهم ويكرر، وهو إلجاؤهم إلى أن يقارنوها بعرضهم الذي يلزم محاذاتهم لها ايضاً بطولهم ليعلموا أنها مصيرهم فلا مانع لها منهم ﴿عليها﴾ أي النار التي هي دار العذاب مكرراً عرضهم في طول الموقف مع ما هم فيه من تلك الأهوال بمقاساة ما عليهم من الأحمال الثقال حال كونهم ﴿خاشعين﴾ أي في غاية الضعة والإلقاء باليد خشوعاً هو ثابت لهم.
ولما كان الخشوع قد يكون محموداً قال :﴿من الذل﴾ لأنهم عرفوا إذ ذاك ذنوبهم وانكشفت لهم عظمة من عصوه.