ولما كان الذل ألواناً، صوره بأقبح صورة فقال معبراً بلفظ النظر الذي هو مماسة البصر لظاهر المبصر :﴿ينظرون﴾ أي يبتدئ نظرهم المتكرر ﴿من طرف﴾ أي تحريك للأجفان ﴿خفي﴾ يعرف فيه الذل لأنه لا يكاد من عدم التحديق يظن أنه يطوف لأنهم يسارقون النظر مسارقة كما ترى الإنسان ينظر إلى المكاره، والصبور ينظر إلى السيف الذي جرد له فهو بحيث لا يحقق منظوراً إليه، بل ربما تخليه بأعظم مما هو عليه.
ولما صور حالهم وكان من أفظع الأشياء وأقطعها للقلوب شماتة العدو، قال مبشراً لجميع أصناف أهل الإيمان ورادعاً لأهل الكفران :﴿وقال﴾ أي في ذلك الموقف الأعظم على سبيل التعبير لهم والتبكيت والتوبيخ والتقريع ﴿الذين آمنوا﴾ أي أوقعوا هذه الحقيقة سواء كان إيقاعهم لها في أدنى الراب أو أعلاها عند رؤيتهم إياهم على هذا الحال، مؤكدين لتحقيق مقالهم عند من قضى بضلالهم والإعلام بما لهم من السرور بصلاح
٦٤٤
حالهم، والحمد لمن من عليهم بحس منقلبهم ومآلهم، ويجوز أن يكون قولهم هذا في الدنيا لما غلب على قلوبهم من الهيبة عندما تحققوا ههذ المواعظ :﴿إن الخاسرين﴾ أي ﴿وأهليهم﴾ بمفارقتهم لهم إما في إطباق العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران أو في دار الثواب إن كانوا من أهل الإيمان.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٦٤٤
ولما أخبر بخسارتهم بين ظرفها تهويلاً لها، ويجوز أن يكون ظرفاً لهذا القول وهو أردع لمن له مسكة لأن من جوز أن يخسر وأن عدوه يطلع على خسارته ويظهر الشماتة به، كان جديراً بأن يترك السبب الحامل على الخسارة فقال :﴿يوم القيامة﴾ أي الذي هو يوم فوت التدراك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات شرطه بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف الغطاء.


الصفحة التالية
Icon