ولما علم من هذا أنه سبحانه عالم بقسمي والحسن ظواهرهم وبواطنهم، صرح بالقسم الآخر، فقال مؤكداً لأجل إنكار الضلال :﴿وإنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿لنعلم﴾ أي علماً عظيماً محيطاً ﴿أن منكم﴾ أيها الأرضيون السفليون الذين ليس لهم أهلية العلو إلى تجريد الأرواح عن علائق الجسد الكثيفة ﴿مكذبين *﴾ أي عريقين في التكذيب فأنزلنا الكتب وأرسلنا الرسل ليظهر منكم إلى عالم الشهادة منها ما كنا نعمله
١٤١
في الأزل غيباً من تكذيب وإيمانه فتستحقون بذلك العقاب أو الثواب، فلذلك وجب في الحكمة التي لا يكذب بها أحد ولا يشك في أنها خاصة الملك المظهرة للكمال أن يعيد الخلق إلى ما كانوا عليه من أجاسمهم قبل الموت لنحكم بينهم فنجازي كلاًّ بما يليق به إظهاراً للعدل.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ١٤١
ولما كان سبب التكذيب ستر ما تجليه مرائي العقول من الدلائل، وكان التقدير : فإنه بشرى للمؤمنين، ولكنه طواه لأن السيق للتهديد بالحاقة، عطف عليه قوله مؤكداً لما لهم من التكذيب به، ﴿وإنه﴾ أي القرآن العظيم ﴿لحسرة﴾ أي بما يرى من تأويله في الدنيا والآخرة ﴿على الكافرين *﴾ أي العريقين في الكفر لكونهم كذبوا به لما يظهر لهم من جزائهم وجزاء المؤمنين.
ولما كان كل من الفريقين يذوق جزاءه في الآخرة، وكان كل أحد سمع القرآن ذاق أنه لا يقدر على الإتيان بشيء يماثله ولا يدانيه، قال مؤكداً تنزيلاً لهم في عداد الجاهلين :﴿وإنه﴾ أي القرآن أو الجزاء في يوم الجزاء ﴿لحق اليقين *﴾ أي الأمر الثابت الذي يضاق فيصير لا يقبل الشك فهو يقين مؤكد بالحق.
من إضافة الصفة إلى الموصوف، وهو فوق علم اليقين، وفي ذلك إشارة إلى أن العبد ينبغي له أن يتحقق لذلك معرفة الحق فيكون مشاهداً للغيوب كمشاهدة المرئيات لما يشاهد من أمثالها، فأمر البعث يشاهد كل يوم في الليل والنهار وفي العام في النبات وغير ذلك.


الصفحة التالية
Icon