فإن قيل : قوله تعالى :﴿فأخرجناهم من جنات﴾ إلى قوله تعالى :﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ يقتضي أنهم عادوا إليها. أجيب : بأن المعنى أن الله تعالى أورثهم وملكهم إياها ولم يردّهم إليها وجعل مساكنهم الشام. ﴿ثم اتخذتم﴾ قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم اتخذتم بإظهار الذال قبل التاء، والباقون بإدغام الذال في التاء. ﴿العجل﴾ الذي صاغه لكم السامريّ إلهاً ومعبوداً ﴿من بعده﴾ أي : بعد ذهابه إلى ميقاتنا، وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوّهم ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتمون إليها فوعد الله تعالى موسى أن ينزل عليهم التوراة فقال موسى لقومه : إني ذاهب لميقات ربي آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون واستخلف أخاه هارون فلما أتاه الوعد جاءه جبريل على فرس يقال له : فرس الحياة، لا يصيب شيئاً إلا حيي ليذهب بموسى إلى ميقات ربه، فلما رآه السامريّ وكان رجلاً صائغاً من قبيلة يقال لها : سامرة، ورأى موضع قدم الفرس يخضر من ذلك وكان منافقاً يظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر ألقى في روعه أنه إذا ألقى في شيء غيره وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حلياً كثيراً من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لعمل عرس لهم فأهلك الله تعالى فرعون وقومه فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل قال السديّ : فأمرهم هارون أن يلقوها في حفرة حتى يرجع موسى ففعلوا فلما اجتمعت الحلي صاغها السامريّ عجلاً من ذهب في ثلاثة أيام مرصعاً بالجواهر كأحسن ما يكون ثم ألقى فيه القبضة التي أخذها من تراب حافر فرس جبريل فصار يخور ويمشي فقال السامريّ : هذا إلهكم وإله موسى فنسي، أي : فتركه ههنا، وخرج يطلبه وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضى عشرون يوماً ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة، وقيل : كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة قال تعالى :﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر﴾ (الأعراف، ١٤٢) وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في محله فكانت فتنتهم في تلك العشرة، فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ورأوا العجل وسمعوا قول
٦٩
السامريّ عكف منهم ثمانية آلاف رجل على العجل يعبدونه، وقيل : كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل، قال البغويّ : وهو الأصح، وقال الحسن : كلهم عبدوه إلا هارون، ولذلك قال تعالى :﴿وأنتم ظالمون﴾ أي : باتخاذه لوضعكم العبادة في غير محلها.
﴿ثم عفونا﴾ محونا ﴿عنكم﴾ ذنوبكم حين تبتم، والعفو محو الجريمة من عفى إذا درس ﴿من بعد ذلك﴾ أي : الاتخاذ ﴿لعلكم تشكرون﴾ أي : لكي تشكروا نعمتنا عليكم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٦٨
تنبيه : إنما قدرت لعل بكي أخذاً مما قيل : إن لعل في القرآن بمعنى كي غير قوله تعالى في الشعراء :﴿لعلكم تخلدون﴾ (الشعراء، ١٢٩) فإنها بمعنى كأنّ أي : كأنكم تخلدون.
﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ آتينا موسى الكتاب﴾ أي : التوراة، وقوله تعالى :﴿والفرقان﴾ عطف تفسير أي : الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقيل : أراد بالفرقان معجزات موسى كانفلاق البحر الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى وبين الكفر والإيمان ﴿لعلكم تهتدون﴾ أي : لكي تهتدوا بتدبر الكتاب والتفكر في الآيات من الضلال.
﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ قال موسى لقومه﴾ الذين عبدوا العجل ﴿يا قوم إنكم ظلمتم﴾ قرأ ورش بتغليظ اللام والباقون بالترقيق ﴿أنفسكم باتخاذكم العجل﴾ إلهاً قالوا : فأيّ شيء نصنع ؟
قال :﴿فتوبوا﴾ أي : ارجعوا عن عبادة العجل ﴿إلى بارئكم﴾ أي : خالقكم، وقرأ أبو عمرو بإسكان الهمزة، وروي عن الدوري باختلاس الحركة، وروي عن السوسي إبدالها ياء ساكنة، وأمال الدوري عن الكسائي الألف بعد الباء الموحدة، وإذا وقف حمزة على بارئكم سهل الهمزة بين بين، قالوا : كيف نتوب ؟
قال :﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ أي : ليقتل منكم البريء من عبادة العجل من عبده، وقيل : المراد بالقتل قطع الشهوة كما قيل : من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحيها، وردّ هذا جماعة بإجماع المفسرين على أنّ المراد هنا القتل الحقيقيّ ﴿ذلكم﴾ أي : القتل ﴿خير لكم عند بارئكم﴾ من حيث أنه طهرة عن الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا : نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين وقيل لهم : من حلّ حبوته أو مدّ طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته وأسلت القوم عليهم الخناجر فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه فلم يمكنه المضيّ لأمر الله فقالوا : يا موسى كيف نفعل ؟
فأرسل الله عليهم ضبابة تشبه سحابة تغشى الأرض كالدخان وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضاً فكانوا يقتتلون إلى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام وبكيا وتضرّعا وقالا : يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فكشف الله تعالى السحابة عنهم وأمرهم أن يكفوا عن القتل فكشفت عن ألوف من القتلى.


الصفحة التالية
Icon