روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : عدد القتلى سبعون ألفاً فاشتدّ ذلك على موسى فأوحى الله تعالى إليه أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة ؟
فكان من قتل منهم شهيداً ومن بقي مكفراً عنه ذنوبه فذلك قوله تعالى :﴿فتاب عليكم﴾ أي فعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم أي : فتجاوز عنكم وقبل توبتكم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٦٨
تنبيه : ذكر البارىء في قوله تعالى :﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ وترتيب الأمر بالقتل عليه إشعار بأنهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة حتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي مثلهم في الغباوة وأنّ من لم يعرف حق منعمه حقيق بأن يستردّ منه ما أنعم به عليه ولذلك أمروا بفك
٧٠
تركيب ذواتهم بالقتل ﴿إنه هو التوّاب﴾ أي الذي يكثر قبول التوبة من المذنبين ﴿الرحيم﴾ أي : البالغ في الإنعام على خلقه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٦٨
﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ وذلك أنّ الله تعالى أمر موسى عليه الصلاة والسلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل فاختار موسى سبعين رجلاً من خيار قومه وقال لهم : صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ففعلوا ذلك فخرج موسى إلى طور سينا لميقات ربه فقالوا لموسى : اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال لهم : أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام فغشي الجبل كله فدخل في الغمام وقال للقوم : ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام وخرّوا سجداً وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله تعالى : إني أنا الله لا إله إلا أنا أخرجتكم من أرض بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل عليهم فقالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة عياناً وذلك أنّ العرب تجعل العلم بالقلب رؤية فقالوا جهرة : ليعلم أنّ المراد منه العيان، روي عن السوسي إمالة الألف بعد الراء في نرى وترقيق اللام من اسم الله، وروي عنه تفخيم اللام مع الإمالة وله وجه ثالث كالجماعة وهو عدم الإمالة مع تفخيم اللام.
فإن قيل : كيف تمال الألف وهي تسقط عند التقاء الساكنين ؟
أجيب : بأنه لولا إمالتها ما أميلت الراء لأنّ القارىء إذا أراد أن يميل الألف لا يتمكن من الإمالة إلا بإمالة ما قبله ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ أي : الصيحة فمتم، وقيل : جاءت نار من السماء فأحرقتهم وذلك لفرط العناد والتعنت وطلب المستحيل فإنهم ظنوا أنه تعالى يشبه الأجسام فطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والأحياز المقابلة للرائي وهي محال بل المراد أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية وذلك للمؤمنين في الآخرة ولأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا ﴿وأنتم تنظرون﴾ أي : ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت، وقيل : تعلمون ويكون النظر بمعنى العلم فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرّع ويقول : ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلاً بعد رجل بعدما ماتوا ليلة ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون كما قال تعالى :
﴿
جزء : ١ رقم الصفحة : ٧١
ثم بعثناكم﴾
أي : أحييناكم والبعث إثارة الشيء عن محله يقال : بعثت البعير فانبعث وبعثت النائم فانبعث ﴿من بعد موتكم﴾ بسبب الصاعقة. قال قتادة : أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا، وقيد البعث بعد الموت لأنه قد يكون عن إغماء أو نوم كقوله تعالى :﴿فضربنا على آذانهم في الكهف﴾ (الكهف، ١١) إلى أن قال :﴿ثم بعثناهم﴾ أي : من النوم ﴿لعلكم تشكرون﴾ نعمة لبعث أو ما كفرتموه من النعم المتتابعة.
﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ في التيه يقيكم حرّ الشمس، والغمام من الغم وأصله التغطية والستر سمي السحاب غماماً لأنه يغطي وجه الشمس وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كنّ يسترهم فشكوا إلى موسى ﷺ عليه فأرسل الله غماماً أبيض رقيقاً أطيب من غمام المطر وجعل لهم عموداً من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن قمر يسيرون في ضوئه وكانت ثيابهم لا تتسخ ولا تبلي وغلظ ورش اللام المفتوحة بعد الظاء ﴿وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى﴾ في التيه، والأكثرون على أنّ المنّ هو الترنجبين، قال مجاهد : هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد وكان يقع كل ليلة
٧١


الصفحة التالية
Icon