ثم إنه تعالى أوعد المفترين بقوله تعالى :﴿إنّ الذين يفترون على الله﴾ أي : الذي له الملك كله ﴿الكذب﴾ منكم ومن غيركم ﴿لا يفلحون﴾ أي : لا يفوزون بخير لأن المفتري يفتري لتحصيل مطلوب فنفى الله تعالى عنه الفلاح، لأنه الفوز بالخير والنجاح. ثم بين تعالى أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب بقوله تعالى :
﴿متاع قليل﴾ أي : منفعة قليلة تنقطع عن قرب لفنائه وإن امتدّ ألف عام ﴿ولهم﴾ بعده ﴿عذاب أليم﴾ أي : مؤلم في الآخرة. ولما بين تعالى ما يحل ويحرم لأهل الإسلام أتبعه ببيان ما يخص اليهودية من المحرمات بقوله تعالى :
﴿وعلى الذين هادوا﴾ أي : اليهود ﴿حرّمنا﴾ عليهم عقوبة لهم بعداوتهم وكذبهم على ربهم ﴿ما قصصنا عليك﴾ يا أجل المرسلين ﴿من قبل﴾ أي : في سورة الأنعام وهو قوله تعالى :﴿وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر﴾ (الأنعام، ١٦٤)
الآية. ﴿وما ظلمناهم﴾ أي : بتحريم ذلك عليهم ﴿ولكن كانوا﴾ أي : دائماً طبعاً لهم وخلقاً مستمرًّا ﴿أنفسهم﴾ خاصة ﴿يظلمون﴾ بالبغي والكفر فضيقنا عليهم معاملة بالعدل وعاملناكم أنتم حيث ظلمتم بالفضل فاشكروا النعمة واحذروا غوائل النقمة. ولما بيّن تعالى هذه النعمة الدنيوية عطف عليها نعمة هي أكبر منها جدًّا استجلاباً لكل ظالم، وبين عظمتها بحرف التراخي فقال تعالى :
﴿ثم إن ربك﴾ أي : المحسن إليك ﴿للذين عملوا السوء﴾ وهو يتناول كل ما لا ينبغي فعله فيشمل الكفر وسائر المعاصي ﴿بجهالة﴾ أي : بسببها أو ملتبسين بها ليعمّ الجهل بالله وبقضائه وعدم التدبر في العواقب، فكل من عمل سوءاً إنما يفعله بالجهالة، أما الكفر فلأن أحداً لا يرضى به مع العلم بكونه كفراً لأنه لو لم يعتقد كونه حقاً فإنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأما المعصية فلأن العالم لم تصدر منه المعصية ما لم تصر الشهوة غالبة للعقل، فثبت أنّ كل من عمل السوء فإنما يقدم عليه بسبب الجهالة. ﴿ثم تابوا من بعد ذلك﴾ أي : الذنب ولو كان عظيماً واقتصروا على ما أذن فيه خالقهم ﴿وأصلحوا﴾ بالاستمرار على ذلك ﴿إن ربك﴾ أي : المحسن إليك بتسهيل دينك وتيسيره ﴿من بعدها﴾ أي : التوبة ﴿لغفور﴾ أي : بليغ الستر لما عملوا من السوء ﴿رحيم﴾ أي : بليغ الرحمة محسن بالإكرام فضلاً منه ونعمة. ولما دعاهم الله تعالى إلى مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام رئيس الموحدين لا جرم ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة ووصفه بتسع صفات.
٢٩٩
الصفة الأولى : قوله تعالى :
﴿
جزء : ٢ رقم الصفحة : ٢٩٨
إن إبراهيم كان أمّة﴾
أي : لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا متفرّقة في أشخاص كثيرة كقول القائل :
وليس لله، أي : من الله ـ بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
أي أن يجمع صفاتهم في شخص واحد. وقال مجاهد : كان مؤمناً وحده والناس كلهم كانوا كفاراً فلهذا المعنى كان وحده أمّة واحدة. وكان النبيّ ﷺ يقول في زيد بن عمرو بن نفيل :"يبعثه الله امّة واحدة". وعن شهر بن حوشب لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله تعالى بهم عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده، وقيل : أمّة فعلة بمعنى مفعول كالدخلة والنخبة من أمّه إذا قصده واقتدى به، فإنّ الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيره كقوله تعالى :﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾ (البقرة، ١٢٤)
. وقرأ هشام أن إبراهام وملة إبراهام بالألف بعد الهاء فيهما. وقرأ الباقون بالياء فيهما. الصفة الثانية : قوله تعالى :﴿قانتاً لله﴾ أي : مطيعاً له قائماً بأوامره. الصفة الثالثة : قوله تعالى :﴿حنيفاً﴾ أي : مائلاً عن الباطل، قال ابن عباس : إنه أوّل من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى وهذه السنة الحنيفية. الصفة الرابعة : قوله تعالى :﴿ولم يك من المشركين﴾ أي : أنه عليه الصلاة والسلام كان من الموحدين في الصغر والكبر، وقد أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله :﴿لا أحب الآفلين﴾ (الأنعام، ٧٦)
ثم كسر تلك الأصنام حتى آل الأمر إلى أنّ القوم ألقوه في النار وذلك دليل إثبات الصانع مع ملك زمانه، وهو قوله :﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ (البقرة، ٢٥٨)
. ثم طلب من الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى ليحصل له زيادة الطمأنينة. قال الرازي : ومن وقف على علم القرآن علم أنّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان غريقاً في بحر علم التوحيد. الصفة الخامسة : قوله تعالى :


الصفحة التالية
Icon