الثامن : سميت مثاني لأن الله أنزلها مرتين، واعلم أنا قد بالغنا في تفسير قوله تعالى :﴿سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾ في سورة الحجر.
الاسم الخامس : الوافية، كان سفيان بن عيينة يسميها بهذا الاسم، قال الثعلبي، وتفسيرها أنها لا تقبل التنصيف، ألا ترى أن كل سورة من القرآن لو قرىء نصفها في ركعة والنصف الثاني في ركعة أخرى لجاز، وهذا التنصيف غير جائز في هذه السورة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الاسم السادس : الكافية، سميت بذلك لأنها تكفي عن غيرها، وأما غيرها فلا يكفي عنها، روى محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :"أم القرآن عوض عن غيرها، وليس غيرها عوضاً عنها".
الاسم السابع : الأساس، وفيه وجوه : ـ
الأول : أنها أول سورة من القرآن، فهي كالأساس.
الثاني : أنها مشتملة على أشرف المطالب كما بيناه، وذلك هو الأساس.
الثالث : أن أشرف العبادات بعد الإيمان هو الصلاة، وهذه السورة مشتملة على كل ما لا بدّ منه في الإيمان والصلاة لا تتم إلا بها.
الاسم الثامن : الشفاء، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم :
فاتحة الكتاب شفاء من كل سم، ومر بعض الصحابة برجل مصروع فقرأ هذه السورة في أذنه فبرىء فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال : هي أم القرآن، وهي شفاء من كل داء.
وأقول : الأمراض منها روحانية، ومنها جسمانية، والدليل عليه أنه تعالى سمى الكفر مرضاً فقال تعالى :﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ وهذه السورة مشتملة على معرفة الأصول والفروع والمكاشفات، فهي في الحقيقة سبب لحصول الشفاء في هذه المقامات الثلاثة.
الاسم التاسع : الصلاة، قال عليه الصلاة والسلام :"يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين والمراد هذه السورة".
الاسم العاشر : السؤال، روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حكي عن رب العزة سبحانه وتعالى أنه قال :"من شغله ذكرى عن سؤالي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"، وقد فعل الخليل عليه السلام ذلك حيث قال :﴿الَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ (الشعراء : ٧٨) إلى أن قال :﴿رَبِّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّـالِحِينَ﴾ (الشعراء : ٨٣) ففي هذه السورة أيضاً وقعت البداءة بالثناء عليه سبحانه وتعالى وهو قوله :(الحمد لله إلى قوله مالك يوم الدين) ثم ذكر العبودية وهو قوله :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ثم وقع الختم على طلب الهداية وهو قوله تعالى :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وهذا يدل على أن أكمل المطالب هو الهداية في الدين، وهو أيضاً يدل على أن جنة المعرفة خير من جنة النعيم لأنه تعالى ختم الكلام هنا على قوله ﴿اهْدِنَا﴾ ولم يقل إرزقنا الجنة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الاسم الحادي عشر : سورة الشكر، وذلك لأنها ثناء على الله بالفضل والكرم والإحسان.
الاسم الثاني عشر : سورة الدعاء، لاشتمالها على قوله :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهذا تمام الكلام في شرح هذه الأسماء والله أعلم.
الباب الثاني
في فضائل هذه السورة، وفيه مسائل :
كيفية نزولها :
المسألة الأولى : ذكروا في كيفية نزول هذه السورة ثلاثة أقوال : الأول : أنها مكية، روى الثعلبي بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش، ثم قال الثعلبي : وعليه أكثر العلماء، وروى أيضاً بإسناده عن عمرو بن شرحبيل أنه قال : أول ما نزل من القرآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أسر إلى خديجة فقال :"لقد خشيت أن يكون خالطني شيء"، فقالت : وما ذاك ؟
قال :"إني إذا خلوت سمعت النداء بإقرأ"، ثم ذهب إلى ورقة بن نوفل وسأله عن تلك الواقعة فقال له ورقة : إذا أتاك النداء فاثبت له، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : قل : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وبإسناده عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال :"بسم الله الرحمن الرحيم"، فقالت قريش : دق الله فاك.
والقول الثاني : أنها نزلت بالمدينة، روى الثعلبي بإسناده عن مجاهد أنه قال : فاتحة الكتاب أنزلت بالمدينة قال الحسين بن الفضل : لكل عالم هفوة وهذه هفوة مجاهد، لأن العلماء على خلافه، ويدل عليه وجهان : الأول : أن سورة الحجر مكية بالاتفاق، ومنها قوله تعالى :﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَـاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي﴾، (الحجر : ٨٧) وهي فاتحة الكتاب، وهذا يدل على أنه تعالى آتاه هذه السورة فيما تقدم، الثاني : أنه يبعد أن يقال إنه أقام بمكة بضع عشرة سنة بلا فاتحة الكتاب.
القول الثالث : قال بعض العلماء : هذه السورة نزلت بمكة مرة، وبالمدينة مرة أخرى، فهي مكية مدنية، ولهذا السبب سماها الله بالمثاني ؛ لأنه ثنى إنزالها، وإنما كان كذلك مبالغة في تشريفها.


الصفحة التالية
Icon