المسألة الثانية : في بيان فضلها، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال فاتحة الكتاب شفاء من السم، وعن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً فيقرأ صبي من صبيانهم في المكتب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بسببه العذاب أربعين سنة، وعن الحسين قال : أنزل الله تعالى مائة وأربعة كتب من السماء فأودع علوم المائة في الأربعة، وهي التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم هذه الأربعة في الفرقان، ثم أودع علوم الفرقان في المفصل، ثم أودع علوم المفصل في الفاحة فمن علم تفسير الفاتحة كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة، ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
قلت : والسبب فيه أن المقصود من جميع الكتب الإلهية علم الأصول والفروع والمكاشفات وقد بينا أن هذه السورة مشتملة على تمام الكلام في هذه العلوم الثلاثة، فلما كانت هذه المطالب العالية الشريفة حاصلة فيها لا جرم كانت كالمشتملة على جميع المطالب الإلهية.
المسألة الثالثة : قالوا : هذه السورة لم يحصل فيها سبعة من الحروف، وهي الثاء، والجيم والخاء، والزاي، والشين، والظاء، والفاء، والسبب فيه أن هذه الحروف السبعة مشعرة بالعذاب فالثاء تدل على الويل والثبور، قال تعالى :﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ والجيم أول حروف اسم جهنم، قال تعالى :﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الحجر : ٤٣) وقال تعالى :﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالانسِ ﴾ (الأعراف : ١٧٩) وأسقط الخاء لأنه يشعر بالخزي قال تعالى :﴿يَوْمَ لا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَه ﴾ (التحريم : ٨) وقال تعالى :﴿إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّواءَ عَلَى الْكَـافِرِينَ﴾ (النحل : ٢٧) وأسقط الزاي والشين لأنهما أول حروف الزفير والشهيق، قال تعالى :﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ وأيضاً الزاي تدل على الزقوم، قال تعالى :﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الاثِيمِ﴾ (الدخان : ٤٣) والشين تدل على الشقاوة، قال تعالى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِى النَّارِ﴾ (هود : ١٠٦) وأسقط الظاء لقوله :﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِى ثَلَـاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ﴾ (المراسلات : ٣٠) وأيضاً يدل على لظى، قال تعالى :﴿كَلا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى ﴾ (المعارج : ١٥) وأسقط الفاء ؛ لأنه يدل على الفراق، قال تعالى :﴿يَوْمَـاـاِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ (الروم : ١٤) وأيضاً قال :﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍا وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ﴾ (طه : ٦١).
فإن قالوا : لا حرف من الحروف إلا وهو مذكور في شيء يوجب نوعاً من العذاب فلا يبقى لما ذكرتم فائدة، فنقول : الفائدة فيه أنه تعالى قال في صفة جهنم ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ (الحجر : ٤٤) والله تعالى أسقط سبعة من الحروف من هذه السورة، وهي أوائل ألفاظ دالة على العذاب، تنبيهاً على أن من قرأ هذه السورة وآمن بها وعرف حقائقها صار آمناً من الدركات السبع في جهنم، والله أعلم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الباب الثالث
في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة، وفيه مسائل :
أسرار الفاتحة :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما قال :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فكأن سائلاً يقول : الحمد لله منبي عن أمرين : أحدهما : وجود الإله، والثاني : كونه مستحقاً للحمد، فما الدليل على وجود الإله وما الدليل على أنه مستحق الحمد ؟
ولما توجه هذان السؤالان لا جرم ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذين السؤالين، فأجاب عن السؤال الأول بقوله :﴿رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ وأجاب عن السؤال الثاني بقوله :﴿ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ * مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أما تقرير الجواب الأول ففيه مسائل : ـ
المسألة الأولى : إن علمنا بوجود الشيء إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً، لا جائز أن يقال العلم بوجود الإله ضروري، لأنا نعلم بالضرورة أنا لا نعرف وجود الإله بالضرورة فبقي أن يكون العلم نظرياً، والعلم النظري لا يمكن تحصيله إلا بالدليل، ولا دليل على وجود الإله إلا أن هذا العالم المحسوس بما فيه من السموات والأرضين والجبال والبحار والمعادن والنبات والحيوان محتاج إلى مدبر يدبره وموجود يوجده ومرب يربيه ومبق يبقيه، فكان قوله :﴿رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ إشارة إلى الدليل الدال على وجود الإله القادر الحكيم.


الصفحة التالية
Icon