واعلم أن الإستقراء المذكور يدل العبد على أن أحوال هذا العالم لا تنتظم إلا بتقدير الله، ثم يترقى من العالم الصغير إلى العالم الكبير فيعلم أنه لا تنتظم حالة من أحوال العالم الأكبر إلا بتقدير الله، وذلك هو قوله :﴿رَبِّ الْعَـالَمِينَ﴾ ثم إن العبد يتأمل في أحوال العالم الأعلى فيشاهد أن أحوال العالمين منظومة على الوصف الأتقن والترتيب الأقوم والكمال الأعلى والمنهج الأسنى فيرى الذرات ناطقة بالإقرار بكمال رحمته وفضله وإحسانه فعند ذلك يقول :﴿ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ﴾ فعند هذا يظهر للعبد أن جميع مصالحه في الدنيا إنما تهيأت برحمة الله وفضله وإحسانه، ثم يبقى العبد متعلق القلب بسبب أنه كيف يكون حاله بعد الموت فكأنه يقال :﴿مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ليس إلا الذي عرفته بأنه هو الرحمن الرحيم، فحينئذٍ ينشرح صدر العبد وينفسح قلبه ويعلم أن المتكفل بإصلاح بمهماته في الدنيا والآخرة ليس إلا الله، وحينئذٍ ينقطع التفاته عما سوى الله ولا يبقى متعلق القلب بغير الله، ثم إن العبد حين كان متعلق القلب بالأمير والوزير كان مشغولاً بخدمتهما، وبعد الفراغ من تلك الخدمة كان يستعين في تحصيل المهمات بهما وكان يطلب الخير منهما، فعند زوال ذلك التعلق يعلم أنه لما كان مشتغلاً بخدمة الأمير والوزير فلان يشتغل بخدمة المعبود كان أولى، فعند هذا يقول :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، والمعنى إني كنت قبل هذا / أعبد غيرك، وأما الآن فلا أعبد أحداً سواك، ولما كان يستعين في تحصيل المهمات بالأمير والوزير فلأن يستعين بالمعبود الحق في تحصيل المرادات كان أولى، فيقول : وإياك نستعين والمعنى : إني كنت قبل هذا أستعين بغيرك وأما الآن فلا أستعين بأحد سواك، ولما كان يطلب المال والجاه اللذين هما على شفا حفرة الانقراض والانقضاء من الأمير والوزير فلأن يطلب الهداية والمعرفة من رب السماء والأرض أولى، فيقول :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ثم إن أهل الدنيا فريقان : أحدهما : الذين لا يعبدون أحداً إلا الله ولا يستعينون إلا بالله ولا يطلبون الأغراض والمقاصد إلا من الله، والفرقة الثانية، الذين يخدمون الخلق ويستعينوا بهم ويطلبون الخير منهم، فلا جرم العبد يقول : إلهي اجعلني في زمرة الفرقة الأولى، وهم الذين أنعمت عليهم بهذه الأنوار الربانية والجلايا النورانية، ولا تجعلني في زمرة الفرقة الثانية وهم المغضوب عليهم والضالون، فإن متابعة هذه الفرقة لا تفيد إلا الخسار والهلاك كما قال إبراهيم عليه السلام : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً ؟
والله أعلم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الباب الرابع
في المسائل الفقهية المستنبطة من هذه السورة
فقه الفاتحة :
المسألة الأولى : أجمع الأكثرون على أن القراءة واجبة في الصلاة، وعن الأصم والحسن بن صالح أنها لا تجب.
لنا أن كل دليل نذكره في بيان أن قراءة الفاتحة واجبة فهو يدل على أن أصل القراءة واجب وتزيد ههنا وجوهًا : ـ
الأول : قوله تعالى :﴿أَقِمِ الصَّلَواةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ ﴾ (الإسراء : ٧٨) والمراد بالقرآن القراءة، والتقدير : أقم قراءة الفجر، وظاهر الأمر للوجوب.
الثاني : عن أبي الدرداء أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلّم فقال : أفي الصلاة قراءة فقال : نعم، فقال السائل : وجبت، فأقر النبي صلى الله عليه وسلّم ذلك الرجل على قوله وجبت.
الثالث : عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلّم سئل : أيقرأ في الصلاة ؟
فقال عليه الصلاة والسلام : أتكون صلاة بغير قراءة، وهذان الخبران نقلتهما من "تعليق الشيخ أبي حامد الإسفرايني".
حجة الأصم قوله عليه الصلاة والسلام : صلوا كما رأيتموني أصلي، جعل الصلاة من الأشياء المرئية، والقراءة ليست بمرئية، فوجب كونها خارجة عن الصلاة، والجواب أن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم.
المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : قراءة الفاتحة واجبة في الصلاة، فإن ترك منها حرفاً واحداً وهو يحسنها لم تصح صلاته، وبه قال الأكثرون، وقال أبو حنيفة لا تجب قراءة الفاتحة.


الصفحة التالية
Icon