جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٤٥
اعلم أن اليهود كانوا يقولون : إن إبراهيم كان على ديننا، والنصارى كانوا يقولون : كان إبراهيم على ديننا، فأبطل الله عليهم ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً ؟
فإن قيل : فهذا أيضاً لازم عليكم لأنكم تقولون : إن إبراهيم كان على دين الإسلام، والإسلام إنما أنزل بعده بزمان طويل، فإن قلتم إن المراد أن إبراهيم كان في أصول الدين على المذهب الذي عليه المسلمون الآن، فنقول : فلم لا يجوز أيضاً أن تقول اليهود إن إبراهيم كان يهودياً بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه اليهود، وتقول النصارى إن إبراهيم كان نصرانياً بمعنى أنه كان على الدين الذي عليه النصارى، فكون التوراة والإنجيل نازلين بعد إبراهيم لا ينافي كونه يهودياً أو نصرانياً بهذا التفسير، كما إن كون القرآن نازلاً بعده لا ينافي كونه مسلماً.
والجواب : إن القرآن أخبر أن إبراهيم كان حنيفاً مسلماً، وليس في التوراة والإنجيل أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، فظهر الفرق، ثم نقول : أما إن النصارى ليسوا على ملة إبراهيم، فالأمر فيه ظاهر، لأن المسيح ما كان موجوداً في زمن إبراهيم، فما كانت عبادته مشروعة في زمن /إبراهيم لا محالة، فكان الاشتغال بعبادة المسيح مخالفة لملة إبراهيم لا محالة، وأما إن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فذلك لأنه لا شك إنه كان لله سبحانه وتعالى تكاليف على الخلق قبل مجيء موسى عليه السلام، ولا شك أن الموصل لتلك التكاليف إلى الخلق واحد من البشر، ولا شك أن ذلك الإنسان قد كان مؤيداً بالمعجزات، وإلا لم يجب على الخلق قبول تلك التكاليف منه فإذن قد كان قبل مجيء موسى أنبياء، وكانت لهم شرائع معينة، فإذا جاء موسى فإما أن يقال إنه جاء بتقرير تلك الشرائع، أو بغيرهما فإن جاء بتقريرها لم يكن موسى صاحب تلك الشريعة، بل كان كالفقيه المقرر لشرع من قبله، واليهود لا يرضون بذلك، وإن كان قد جاء بشرع آخر سوى شرع من تقدمه فقد قال بالنسخ، فثبت أنه لا بد وأن يكون دين كل الأنبياء جواز القول بالنسخ واليهود ينكرون ذلك، فثبت أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم، فبطل قول اليهود والنصارى بأن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، فهذا هو المراد من الآية والله أعلم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٤٥
فيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿وَإِذْ أَنتُمْ﴾ بالمد والهمزة وقرأ نافع وأبو عمرو بغير همز ولا مد، إلا بقدر خروج الألف الساكنة وقرأ ابن كثير بالهمز والقصر على وزن وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز، فمن حقق فعلى الأصل، لأنهما حرفان و﴿وَإِذْ أَنتُمْ﴾ ومن لم /يمد ولم يهمز فللتخفيف من غير إخلال.
المسألة الثانية : اختلفوا في أصل ﴿وَإِذْ أَنتُمْ﴾ فقيل تنبيه والأصل ﴿وَإِذْ أَنتُمْ﴾ وقيل أصله ﴿ءَأَنتُمْ﴾ فقلبت الهمزة الأولى هاء كقولهم هرقت الماء وأرقت و﴿هَا ؤُلاءِ﴾ مبني على الكسر وأصله أولاء دخلت عليه ها التنبيه، وفيه لغتان : القصر والمد، فإن قيل : أين خبر أنتم في قوله ها أنتم ؟
قلنا في ثلاثة أوجه الأول : قال صاحب "الكشاف" للتنبيه و﴿وَإِذْ أَنتُمْ﴾ مبتدأ و﴿هَؤُلاءِ﴾ خبره و﴿حَاجَجْتُمْ﴾ جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى بمعنى : أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم وإن جادلتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ؟
والثاني : أن يكون ﴿أَنتُمْ﴾ مبتدأ، وخبر ﴿هَا ؤُلاءِ﴾ بمعنى أولاء على معنى الذي وما بعده صلة له الثالث : أن يكون ﴿أَنتُمْ﴾ مبتدأ ﴿وَهَا ؤُلاءِ﴾ عطف بيان خبره وتقديره : أنتم يا هؤلاء حاججتم.
المسألة الثالثة : المراد من قوله ﴿هَا ؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِه عِلْمٌ﴾ هو أنهم زعموا أن شريعة التوراة والإنجيل مخالفة لشريعة القرآن فكيف تحاجون فيما لا علم لكم به وهو ادعاؤكم أن شريعة إبراهيم كانت مخالفة لشريعة محمد عليه السلام ؟
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٤٥
ثم يحتمل في قوله ﴿هَا أَنتُمْ هَا ؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِه عِلْمٌ﴾ أنه لم يصفهم في العلم حقيقة وإنما أراد إنكم تستجيزون محاجته فيما تدعون علمه، فكيف تحاجونه فيما لا علم لكم به ألبتة ؟
ثم حقق ذلك بقوله ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ كيف كانت حال هذه الشرائع في المخالفة والموافقة ﴿وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ كيفية تلك الأحوال.
ثم بيّن تعالى ذلك مفصلاً فقال :﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ فكذبهم فيما ادعوه من موافقة لهما.
ثم قال :﴿وَلاَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ وقد سبق تفسير الحنيف في سورة البقرة.
ثم قال :﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهو تعريض بكون النصارى مشركين في قولهم بإلهية المسيح وبكون اليهود مشركين في قولهم بالتشبيه.