أما قوله تعالى :﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ فالمراد أن الآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلّم كان الاستدلال بها مفتقراً إلى التفكر والتأمل، والقوم كانوا يجتهدون في إخفاء تلك الألفاظ التي كان بمجموعها يتم هذا الاستدلال مثل ما أن أهل البدعة في زماننا يسعون في أن لا يصل إلى عوامهم دلائل المحققين.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
أما قوله ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ففيه وجوه أحدها : إنكم تعلمون أنكم إنما تفعلون ذلك عناداً وحسداً وثانيها :﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي أنتم أرباب العلم والمعرفة لا أرباب الجهل والخرافة وثالثها :﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن عقاب من يفعل مثل هذه الأفعال عظيم.
المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله تعالى :﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ و﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ دال على أن ذلك فعلهم، لأنه لا يجوز أن يخلقه فيهم، ثم يقول : لم فعلتم ؟
وجوابه : أن الفعل يتوقف على الداعية فتلك الداعية إن حدثت لا لمحدث لزم نفي الصانع، وإن كان محدثها هو العبد افتقر إلى إرادة أخرى وإن كان محدثها هو الله تعالى لزمكم ما ألزمتموه علينا والله أعلم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل أردف ذلك بأن حكى عنهم نوعاً واحداً من أنواع تلبيساتهم، وهو المذكور في هذه الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى : قول بعضهم لبعض ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ءَامِنُوا بِالَّذِى أُنزِلَ﴾ ويحتمل أن يكون المراد كل ما أنزل وأن يكون المراد بعض ما أنزل.
أما الاحتمال الأول : ففيه وجوه الأول : أن اليهود والنصارى استخرجوا حيلة في /تشكيك ضعفه المسلمين في صحة الإسلام، وهو أن يظهروا تصديق ما ينزل على محمد صلى الله عليه وسلّم من الشرائع في بعض الأوقات، ثم يظهروا بعد ذلك تكذيبه، فإن الناس متى شاهدوا هذا التكذيب، قالوا : هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد، وإلا لما آمنوا به في أول الأمر وإذا لم يكن هذا التكذيب لأجل الحسد والعناد وجب أن يكون ذلك لأجل أنهم أهل الكتاب وقد تفكروا في أمره واستقصوا في البحث عن دلائل نبوته فلاح لهم بعد التأمل التام، والبحث الوافي أنه كذاب، فيصير هذا الطريق شبهة لضعفة المسلمين في صحة نبوته، وقيل : تواطأ اثنا عشر رجلاً من أحبار يهود خيبر على هذا الطريق.
وقوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ معناه أنا متى ألقينا هذه الشبهة فلعل أصحابه يرجعون عن دينه.
الوجه الثاني : يحتمل أن يكون معنى الآية أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين، ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء المؤمنين في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم ويرجعوا إلى دينكم، وهذا قول أبي مسلم الأصفهاني ويدل عليه وجهان الأول : أنه تعالى لما قال :﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ءَامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ (النساء : ١٣٧) أتبعه بقوله ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ وهو بمنزلة قوله ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ﴾ (البقرة : ١٤) الثاني : أنه تعالى اتبع هذه الآية بقوله ﴿يَرْجِعُونَ * وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ فهذا يدل على أنهم نهوا عن غير دينهم الذي كانوا عليه فكان قولهم ﴿وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا ﴾ أمر بالنفاق.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
الوجه الثالث : قال الأصم : قال بعضهم لبعض إن كذبتموه في جميع ما جاء به فإن عوامكم يعلمون كذبكم، لأن كثيراً مما جاء به حق ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض حتى يحمل الناس تكذيبكم له على الإنصاف لا على العناد فيقبلوا قولكم.


الصفحة التالية
Icon