وقوله ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ ليس فيه راجع إلى الموصول، قلنا : يجوز إقامة المظهر مقام المضمر عند الأخفش والدليل عليه قوله تعالى :﴿إِنَّه مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف : ٩٠) ولم يقل : فإن الله لا يضيع أجره، وقال :﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا﴾ (الكهف : ٣٠) ولم يقل : إنا لا نضيع أجرهم وذلك لأن المظهر المذكور قائم مقام المضمر فكذا ههنا.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
السؤال الثاني : ما فائدة اللام في قوله ﴿لَّمًّا﴾ قلنا : هذه اللام هي لام الابتداء بمنزلة قولك : لزيد أفضل من عمرو، ويحسن إدخالها على ما يجري مجرى المقسم عليه لأن قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّانَ﴾ بمنزلة القسم والمعنى استحلفهم، وهذه اللام المتلقية للقسم، فهذا تقرير هذا الكلام.
الوجه الثاني : وهو اختيار سيبويه والمازني والزجاج أن ﴿مَآ﴾ ههنا هي المتضمنة لمعنى الشرط والتقدير ما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، فاللام في قوله ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِه ﴾ هي المتلقية للقسم، أما اللام في ﴿لَّمًّا﴾ هي لام تحذف تارة، وتذكر أخرى، ولا يتفاوت المعنى ونظيره قولك : والله لو أن فعلت، فعلت فلفظة (أن) لا يتفاوت الحال بين ذكرها وحذفها فكذا ههنا، وعلى هذا التقدير كانت (ما) في موضع نصب بأتيتكم ﴿وَجَآءَكُمُ﴾ جزم بالعطف على ﴿ءَاتَيْتُكُم﴾ و﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِه ﴾ هو الجزاء، وإنما لم يرض سيبويه بالقول الأول لأنه لا يرى إقامة المظهر مقام المضمر، وأما الوجه في قراءة ﴿لَّمًّا﴾ بكسر اللام فهو أن هذا لام التعليل كأنه قيل : أخذ ميثاقهم لهذا لأن من يؤتى الكتاب والحكمة فإن اختصاصه بهذه الفضيلة يوجب عليه تصديق سائر الأنبياء والرسل ﴿وَمَآ﴾ على هذه القراءة تكون موصولة، وتمام /البحث فيه ما قدمناه في الوجه الأول، وأما قراءة ﴿لَّمًّا﴾ بالتشديد فذكر صاحب "الكشاف" فيه وجهين الأول : أن المعنى : حين آتيتكم بعض الكتاب والحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق له، وجب عليكم الإيمان به ونصرته والثاني : أن أصل ﴿لَّمًّا﴾ لمن ما فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات/ وهي الميمان والنون المنقلبة ميماً بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها فصارت ﴿لَّمًّا﴾ ومعناه : لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به، وهذا قريب من قراءة حمزة في المعنى.
المسألة الثانية : قرأ نافع ﴿ءَاتَيْنَاكُم﴾ بالنون على التفخيم، والباقون بالتاء على التوحيد، حجة نافع قوله ﴿وَءَاتَيْنَا دَاوُادَ زَبُورًا﴾ (النساء : ١٦٣) ﴿وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم : ١٢) ﴿وَءَاتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ (الصافات : ١١٧) ولأن هذا أدل على العظمة فكان أكثر هيبة في قلب السامع، وهذا الموضع يليق به هذا المعنى، وحجة الجمهور قوله ﴿هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِه ءَايَاتا بَيِّنَاتٍ﴾ (الحديد : ٩) و﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (الكهف : ١) وأيضاً هذه القراءة أشبه بما قبل هذه الآية وبما بعدها لأنه تعالى قال قبل هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ وقال بعدها ﴿إِصْرِى ﴾ وأجاب نافع عنه بأن أحد أبواب الفصاحة تغيير العبارة من الواحد إلى الجمع ومن الجمع إلى الواحد قال تعالى :﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِى إسرائيل أَلا تَتَّخِذُوا مِن دُونِى﴾ (الإسراء : ٢) ولم يقل من دوننا كما قال :﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ والله أعلم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر النبيّين على سبيل المغايبة ثم قال :﴿ءَاتَيْتُكُم﴾ وهو مخاطبة إضمار والتقدير : وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم من كتاب وحكمة، والإضمار باب واسع في القرآن، ومن العلماء من التزم في هذه الآية إضماراً آخر وأراح نفسه عن تلك التكلفات التي حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصاراً ثم قال تعالى بعده ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلّم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِه وَلَتَنصُرُنَّه ﴾ وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ولا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظماً بيناً جلياً أولى من تلك التكلفات.


الصفحة التالية
Icon