الحجة الثامنة : أطبق الأكثرون على أن سورة الفاتحة سبع آيات إلا أن الشافعي رضي الله تعالى عنه، قال : قوله بسما لله الرحمن الرحيم آية واحدة، وقوله صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية واحدة، وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فإنه قال : بسم الله ليس بآية منها، لكن قوله صراط الذين أنعمت عليهم آية، وقوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية أخرى وسنبين في مسألة مفردة أن قول أبي حنيفة مرجوح ضعيف، فحينئذٍ يبقى أن الآيات لا تكون سبعاً إلا إذا اعتقدنا أن قوله بسم الله الرحمن الرحيم آية منها تامة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة التاسعة : أن نقول : قراءة التسمية قبل الفاتحة واجبة، فوجب أن تكون آية منها بيان الأول أن أبا حنيفة يسلم أن قراءتها أفضل، وإذا كان كذلك فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلّم قرأها فوجب أن يجب علينا قراءتها لقوله تعالى :﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ وإذا ثبت وجوب قراتها ثبت أنها من السورة لأنه لا قائل بالفرق.
الحجة العاشرة : قوله عليه السلام :"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر أو أجذم وأعظم الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة، فقراءة الفاتحة فيها بدون قراءة بسم الله يوجب كون هذه الصلاة بتراء، ولفظ الأبتر يدل على غاية النقصان والخلل، بدليل أنه تعالى ذكره في معرض الذم للكافر الذي كان عدواً للرسول عليه السلام فقال :﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الابْتَرُ﴾، (الكوثر : ٣) فلزم أن يقال : الصلاة الخالية عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم تكون في غاية النقصان والخلل وكل من أقر بهذا الخلل النقصان قال بفساد هذه الصلاة، وذلك يدل على أنها من الفاتحة وأنه يجب قراءتها.
الحجة الحادية عشرة : ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال لأبي بن كعب :"ما أعظم آية في كتاب الله تعالى ؟
" فقال : بسم الله الرحمن الرحيم فصدقه النبي عليه السلام في قوله. وجه الاستدلال أن هذا الكلام يدل على أن هذا القدر آية، ومعلوم أنها ليست آية تامة في قوله :﴿إِنَّه مِن سُلَيْمَـانَ وَإِنَّه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـن ِ الرَّحِيمِ﴾ (النمل : ٣٠) بل هذا بعض آية، فلا بدّ وأن يكون آية تامة في غير هذا الموضع، وكل من قال بذلك قال إنه آية تامة في أول سورة الفاتحة.
الحجة الثانية عشرة : إن معاوية قدم المدينة فصلى بالناس صلاة يجهر فيها فقرأ أم القرآن / ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم/ فلما قضى صلاته ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية أنسيت ؟
أين بسم الله الرحمن الرحيم حين استفتحت القرآن ؟
فأعاد معاوية الصلاة وقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا الخبر يدل على إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أنه من القرآن ومن الفاتحة، وعلى أن الأولى الجهر بقراءتها.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة الثالثة عشرة : أن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا عند الشروع في أعمال الخير يبتدئون بذكر بسم الله، فوجب أن يجب على رسولنا صلى الله عليه وسلّم ذلك، وإذا ثبت هذا الوجوب في حق الرسول ثبت أيضاً في حقنا، وإذا ثبت الوجوب في حقنا ثبت أنه آية من سورة الفاتحة، أما المقدمة الأولى : فالدليل عليها أن نوحاً عليه السلام لما أراد ركوب السفينة قال :﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْاراـاهَا وَمُرْسَـاـاهَآ ﴾ (هود : ٤١) وأن سليمان لما كتب إلى بلقيس كتب بسم الله الرحمن الرحيم، فإن قالوا : أليس أن قوله تعالى :﴿إِنَّه مِن سُلَيْمَـانَ وَإِنَّه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـن ِ الرَّحِيمِ﴾ يدل على أن سليمان قدم اسم نفسه على اسم الله تعالى ؟
قلنا : معاذ الله أن يكون الأمر كذلك، وذلك لأن الطير أتى بكتاب سليمان ووضعه على صدر بلقيس، وكانت المرأة في بيت لا يقدر أحد على الدخول فيه لكثرة من أحاط بذلك البيت من العساكر والحفظة، فعلمت بلقيس أن ذلك الطير هو الذي أتى بذلك الكتاب، وكانت قد سمعت باسم سليمان، فلما أخذت الكتاب قالت هي من عند نفسها : إنه من سليمان، فلما فتحت الكتاب رأت التسمية مكتوبة فقالت :﴿وَإِنَّه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـن ِ الرَّحِيمِ﴾. فثبت أن الأنبياء عليهم السلام كلما شرعوا في عمل من أعمال الخير ابتدؤا بذكر بسم الله الرحمن الرحيم، والمقدمة الثانية : أنه لما ثبت هذا في حق سائر الأنبياء وجب أن يجب على رسولنا ذلك، لقوله تعالى :﴿ أولئك الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاـاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ (الأنعام : ٩٠) وإذا ثبت ذلك في حق الرسول وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى :﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ وإذا ثبت وجوب قراءته علينا ثبت أنه آية من الفاتحة، لأنه لا قائل بالفرق.


الصفحة التالية
Icon