جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
واعلم أن لعنة الله، مخالفة للعنة الملائكة، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول، وكذلك من الناس، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم /فصح أن يكون جزاء لذلك وههنا سؤالان :
السؤال الأول : لم عم جميع الناس ومن يوافقه لا يلعنه ؟
قلنا : فيه وجوه الأول : قال أبو مسلم له أن يلعنه وإن كان لا يلعنه الثاني : أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضاً قال تعالى :﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ﴾ (الأعراف : ٣٨) وقال :﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ (العنكبوت : ٢٥) وعلى هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من الكفار والثالث : كأن الناس هم المؤمنون، والكفار ليسوا من الناس، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال :﴿أَجْمَعِينَ﴾ الرابع : وهو الأصح عندي أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا بكافر، فإذا لعن الكافر وكان هو في علم الله كافراً، فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك.
السؤال الثاني : قوله ﴿خَـالِدِينَ فِيهَآ﴾ أي خالدين في اللعنة، فما خلود اللعنة ؟
قلنا : فيه وجهان الأول : أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء الثاني : أن المراد بخلود اللعن خلود أثر اللعن، لأن اللعن يوجب العقاب، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن، ونظيره قوله تعالى :﴿مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّه يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَـامَةِ وِزْرًا * خَـالِدِينَ فِيه ﴾ (طه : ١٠٠، ١٠١) الثالث : قال ابن عباس قوله ﴿خَـالِدِينَ فِيهَآ﴾ أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور، واعلم أن قوله ﴿خَـالِدِينَ فِيهَآ﴾ نصب على الحال مما قبله، وهو قوله تعالى :﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾.
ثم قال :﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ معنى الانظار التأخير قال تعالى :﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾ (البقرة : ٢٨٠) فالمعنى أنه لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت وهذا تحقيق قول المتكلمين : إن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة، نعوذ منه بالله.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
ثم قال :﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنا بَعْدِ ذَالِكَ﴾ والمعنى إلا الذين تابوا منه، ثم بيّن أن التوبة وحدها لا تكفي حتى ينضاف إليها العمل الصالح فقال :﴿وَأَصْلَحُوا ﴾ أي أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات وظاهرهم مع الخلق بالعبادات، وذلك بأن يلعنوا بأنا كنا على الباطل حتى أنه لو اغتر بطريقتهم الفاسدة مغتر رجع عنها.
ثم قال :﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وفيه وجهان الأول : غفور لقبائحهم في الدنيا بالستر، رحيم في الآخرة بالعفو الثاني : غفور بإزالة العقاب، رحيم بإعطاء الثواب، ونظيره قوله تعالى :﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ (الأنفال : ٣٨) ودخلت الفاء في قوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لأنه الجزاء، وتقدير الكلام : إن تابوا فإن الله يغفر لهم.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
المسألة الأولى : اختلفوا فيما به يزداد الكفر، والضابط أن المرتد يكون فاعلاً للزيادة بأن يقيم ويصر فيكون الإصرار كالزيادة، وقد يكون فاعلاً للزيادة بأن يضم إلى ذلك الكفر كفراً آخر، وعلى هذا التقدير الثاني ذكروا فيه وجوهاً الأول : أن أهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد عليه الصلاة والسلام قبل مبعثه، ثم كفروا به عند المبعث، ثم ازدادوا كفراً بسبب طعنهم فيه في كل وقت، ونقضهم ميثاقه، وفتنتهم للمؤمنين، وإنكارهم لكل معجزة تظهر الثاني : أن اليهود كانوا مؤمنين بموسى عليه السلام، ثم كفروا بسبب إنكارهم عيسى والإنجيل، ثم ازدادوا كفراً، بسبب إنكارهم محمداً عليه الصلاة والسلام والقرآن والثالث : أن الآية نزلت في الذين ارتدوا وذهبوا إلى مكة، وازديادهم الكفر أنهم قالوا : نقيم بمكة نتربص بمحمد صلى الله عليه وسلّم ريب المنون الرابع : المراد فرقة ارتدوا، ثم عزموا على الرجوع إلى الإسلام على سبيل النفاق، فسمى الله تعالى ذلك النفاق كفراً.
المسألة الثانية : أنه تعالى حكم في الآية الأولى بقبول توبة المرتدين، وحكم في هذه الآية بعدم قبولها وهو يوهم التناقض، وأيضاً ثبت بالدليل أنه متى وجدت التوبة بشروطها فإنها تكون مقبولة لا محالة، فلهذا اختلف المفسرون في تفسير قوله تعالى :﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ على وجوه ؛