الأول : قال الحسن وقتادة وعطاء : السبب أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والله تعالى يقول :﴿أُوالَـا ئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَـا ئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَـالِدِينَ فِيهَا﴾ (النساء : ١٨) الثاني : أن يحمل هذا على ما إذا تابوا باللسان ولم يحصل في قلوبهم إخلاص الثالث : قال القاضي والقفال وابن الأنباري : أنه تعالى لما قدم ذكر من كفر بعد الإيمان، وبيّن أنه أهل اللعنة، إلا أن يتوب ذكر في هذه الآية أنه لو كفر مرة أخرى بعد تلك التوبة فإن التوبة الأولى تصير نير مقبولة وتصير كأنها لم تكن، قال وهذا الوجه أليق بالآية من سائر الوجوه لأن التقدير : إلا الذين تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم، فإن كانوا كذلك ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم، الرابع : قال صاحب "الكشاف" : قوله ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ جعل كناية عن الموت على الكفر، لأن الذي لا تقبل توبته من الكفار هو الذي يموت على الكفر، كأنه قيل إن اليهود والمرتدين /الذين فعلوا ما فعلوا مائتون على الكفر داخلون في جملة من لا تقبل توبتهم الخامس : لعلّ المراد ما إذا تابوا عن تلك الزيادة فقط فإن التوبة عن تلك الزيادة لا تصير مقبولة ما لم تحصل التوبة عن الأصل، وأقول : جملة هذه الجوابات إنما تتمشى على ما إذا حملنا قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَـاـنِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ على المعهود السابق لا على الاستغراق وإلا فكم من مرتد تاب عن ارتداده توبة صحيحة مقرونة بالإخلاص في زمان التكليف، فأما الجواب الذي حكيناه عن القفال والقاضي فهو جواب مطرد سواء حملنا اللفظ على المعهود السابق أو على الاستغراق.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
أما قوله ﴿وَ أولئك هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ ففيه سؤالان الأول :﴿وَ أولئك هُمُ الضَّآلُّونَ﴾ ينفي كون غيرهم ضالاً، وليس الأمر كذلك فإن كل كافر فهو ضال سواء كفر بعد الإيمان أو كان كافراً في الأصل والجواب : هذا محمول على أنهم هم الضالون على سبيل الكمال.
السؤال الثاني : وصفهم أولاً بالتمادي على الكفر والغلو فيه والكفر أقبح أنواع الضلال والوصف إنما يراد للمبالغة، والمبالغة إنما تحصل بوصف الشيء بما هو أقوى حالاً منه لا بما هو أضعف حالاً منه والجواب : قد ذكرنا أن المراد أنهم هم الضالون على سبيل الكمال، وعلى هذا التقدير تحصل المبالغة.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥
اعلم أن الكافر على ثلاثة أقسام أحدها : الذي يتوب عن الكفر توبة صحيحة مقبولة وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنا بَعْدِ ذَالِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران : ٨٩) وثانيهما : الذي يتوب عن ذلك الكفر توبة فاسدة وهو الذي ذكره الله في الآية المتقدمة وقال : إنه لن تقبل توبته وثالثهما : الذي يموت على الكفر من غير توبة ألبتة وهو المذكور في هذه الآية، ثم إنه تعالى أخبر عن هؤلاء بثلاثة أنواع.
النوع الأول : قوله ﴿فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الارْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِه ﴾ قال الواحدي ملء الشيء قدر ما يملؤه وانتصب ﴿ذَهَبًا﴾ على التفسير، ومعنى التفسير : أن يكون الكلام تاماً إلا أن يكون مبهماً كقوله : عندي عشرون، فالعدد معلوم، والمعدود مبهم، فإذا قلت : درهماً فسرت /العدد، وكذلك إذا قلت : هو أحسن الناس فقد أخبرت عن حسنه، ولم تبين في ماذا، فإذا قلت وجهاً أو فعلاً فقد بينته ونصبته على التفسير وإنما نصبته لأنه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه فلما خلا من هذين نصب لأن النصب أخف الحركات فيجعل كأنه لا عامل فيه قال صاحب "الكشاف" وقرأ الأعمش ﴿ذَهَبَ﴾ بالرفع رداً على ملء كما يقال : عندي عشرون نفساً رجال.
وههنا ثلاثة أسئلة :
السؤال الأول : لم قيل في الآية المتقدمة ﴿لَّن تُقْبَلَ﴾ بغير فاء وفي هذه الآية ﴿فَلَن يُقْبَلَ﴾ بالفاء ؟
الجواب : أن دخول الفاء يدل على أن الكلام مبني على الشرط والجزاء، وعند عدم الفاء لم يفهم من الكلام كونه شرطا وجزاء، تقول : الذي جاءني له درهم، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء، وإذا قلت : الذي جاءني فله درهم، فهذا لا يفيد أن الدرهم حصل له بسبب المجيء فذكر الفاء في هذه الآية يدل على أن عدم قبول الفدية معلل بالموت على الكفر.
السؤال الثاني : ما فائدة الواو في قوله ﴿وَلَوِ افْتَدَى بِه ﴾ ؟
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٥٥


الصفحة التالية
Icon