أجاب القفال رحمه الله تعالى عنه : يجوز أن يكون المراد منه التغليظ، أي قد قارب الكفر وعمل ما يعمله من كفر بالحج، ونظيره قوله تعالى :﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (الأحزاب : ١٠) أي كادت تبلغ ونظيره قوله عليه الصلاة والسلام :"من ترك صلاة متعمداً فقد كفر" وقوله عليه الصلاة والسلام :"من أتى امرأة حائضاً أو في دبرها فقد كفر" وأما الأكثرون : فهم الذين حملوا هذا الوعيد على من ترك اعتقاد وجوب الحج، قال الضحاك : لما نزلت آية الحج جمع الرسول صلى الله عليه وسلّم أهل الأديان الستة المسلمين، والنصارى واليهود والصابئين والمجوس والمشركين فخطبهم وقال :"إن الله تعالى كتب عليكم الحج فحجوا" فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس، وقالوا : لا نؤمن /به، ولا نصلي إليه، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى قوله ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَـالَمِينَ﴾ وهذا القول هو الأقوى.
المسألة الثانية : اعلم أن تكليف الشرع في العبادات قسمان، منها ما يكون أصله معقولاً إلا أن تفاصيله لا تكون معقولة مثل الصلاة فإن أصلها معقول وهو تعظيم الله أما كيفية الصلاة فغير معقولة، وكذا الزكاة أصلها دفع حاجة الفقير وكيفيتها غير معقولة، والصوم أصله معقول، وهو قهر النفس وكيفيته غير معقولة، أما الحج فهو سفر إلى موضع معين على كيفيات مخصوصة، فالحكمة في كيفيات هذه العبادات غير معقولة وأصلها غير معلومة.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٩٠
إذا عرفت هذا فنقول : قال المحققون إن الإتيان بهذا النوع من العبادة أدل على كمال العبودية والخضوع والانقياد من الإتيان بالنوع الأول، وذلك لأن الآتي بالنوع الأول يحتمل أنه إنما أتى به لما عرف بعقله من وجوه المنافع فيه، أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد والطاعة والعبودية، فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع كثيرة من التوكيد أحدها : قوله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ والمعنى أنه سبحانه لكونه إلهاً ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أو لم يعرفوا وثانيها : أنه ذكر ﴿النَّاسِ﴾ ثم أبدل منه ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ﴾ وفيه ضربان من التأكيد، أما أولاً فلأن الإبدال تثنية للمراد وتكرير، وذلك يدل على شدة العناية، وأما ثانياً فلأنه أجمل أولاً وفصل ثانياً وذلك يدل على شدة الاهتمام وثالثها : أنه سبحانه عبّر عن هذا الوجوب بعبارتين إحداهما : لام الملك في قوله ﴿وَلِلَّهِ﴾ وثانيتهما : كلمة ﴿عَلَى ﴾ وهي للوجوب في قوله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ ورابعها : أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه، وتعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام وخامسها : أنه قال ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ مكان، ومن لم يحج وهذا تغليظ شديد في حق تارك الحج وسادسها : ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان وسابعها : قوله ﴿عَنِ الْعَـالَمِينَ﴾ ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن يكون مستغنياً عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته، فكان ذلك أدل على السخط وثامنها : أن في أول الآية قال :﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ فبيّن أن هذا الإيجاب كان لمجرد عزة الإلهية وكبرياء الربوبية، لا لجر نفع ولا لدفع ضر، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنِ الْعَـالَمِينَ﴾ ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج، قوله عليه الصلاة والسلام :"حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث" وروي "حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه" قيل : معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الأمن أو غيره، وعن ابن مسعود "حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت".
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٢٩٠
اعلم أن في كيفية النظم وجهين الأول : وهو الأوفق : أنه تعالى لما أورد الدلائل على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام مما ورد في التوراة والإنجيل من البشارة بمقدمه، ثم ذكر عقيب ذلك شبهات القوم.
فالشبهة الأولى : ما يتعلق بإنكار النسخ.
وأجاب عنها بقوله ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِّبَنِى إسرائيل إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَا ءِيلُ عَلَى نَفْسِه ﴾ (آل عمران : ٩٣).
والشبهة الثانية : ما يتعلق بالكعبة ووجوب استقبالها في الصلاة ووجوب حجها.
وأجاب عنها بقوله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران : ٩٦) إلى آخرها، فعند هذا تمت وظيفة الاستدلال وكمل الجواب عن شبهات أرباب الضلال، فعند ذلك خاطبهم بالكلام اللين وقال :﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِاَايَـاتِ اللَّهِ﴾ بعد ظهور البينات وزوال الشبهات، وهذا هو الغاية القصوى في ترتيب الكلام وحسن نظمه.


الصفحة التالية
Icon