المسألة الثانية : استدلت نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا : الأحكام الشرعية إما أن يقال : إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها دلائل ظنية، فإن كان الأول امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن، لأن الدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني، وإن كان الثاني كان الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف ووقوع النزاع، فكان ينبغي أن لا يكون التفرق والتنازع منهياً عنه، لكنه منهي عنه لقوله تعالى :﴿وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ وقوله ﴿وَلا تَنَـازَعُوا ﴾ ولقائل أن يقول : الدلائل الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله ﴿وَلا تَفَرَّقُوا ﴾ ولعموم قوله ﴿وَلا تَنَـازَعُوا ﴾ والله أعلم.
ثم قال تعالى :﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ واعلم أن نعم الله على الخلق إما دنيوية وإما أُخروية وإنه تعالى ذكرهما في هذه الآية، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى :﴿إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِه إِخْوَانًا﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس والخزرج وهم كل واحد منهما بمحاربة صاحبه، فخرج الرسول صلى الله عليه وسلّم ولم يزل يرفق بهم حتى سكنت الفتنة وكان /الأوس والخزرج أخوين لأب وأم، فوقعت بينهما العداوة، وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، فالآية إشارة إليهم وإلى أحوالهم، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضاً ويبغض بعضهم بعضاً، فلما أكرمهم الله تعالى بالإسلام صاروا إخواناً متراحمين متناصحين وصاروا إخوة في الله : ونظير هذه الآية قوله ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الارْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـاكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ (الأنفال : ٦٣).
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معادياً لأكثر الخلق، ومن كان وجهه إلى خدمة الله تعالى لم يكن معادياً لأحد، والسبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيراً في قبضة القضاء والقدر فلا يعادي أحداً، ولهذا قيل : إن العارف إذا أمر أمر برفق ويكون ناصحاً لا يعنف ويعير فهو مستبصر بسر الله في القدر.
المسألة الثانية : قال الزجاج : أصل الأخ في اللغة من التوخي وهو الطلب فالأخ مقصده مقصد أخيه، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين صاحبه ما في قلبه، ولا يخفي عنه شيئاً وقال أبو حاتم قال أهل البصرة : الاخوة في النسب والإخوان في الصداقة، قال وهذا غلط، قال الله تعالى :﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات : ١٠) ولم يعن النسب، وقال :﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ (النور : ٦١) وهذا في النسب.
المسألة الثالثة : قوله ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِه إِخْوَانًا﴾ يدل على أن المعاملات الحسنة الجارية بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله، لأنه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم وكانت تلك الداعية نعمة من الله مستلزمة لحصول الفعل، وذلك يبطل قول المعتزلة في خلق الأفعال، قال الكعبي : إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعرفة والألطاف.
قلنا : كل هذا كان حاصلاً في زمان حصول المحاربات والمقاتلات، فاختصاص أحد الزمانين بحصول الألفة والمحبة لا بد أن يكون لأمر زائد على ما ذكرتم.
ثم قال تعالى :﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ﴾.
واعلم أنه تعالى لما شرح النعمة الدنيوية ذكر بعدها النعمة الأخروية، وهي ما ذكره في آخر هذه الآية، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : المعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم، لأن جهنم مشبهة بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم على النار، والمصير منهم إلى حفرتها، فبيّن تعالى أنه أنقذهم من هذه الحفرة، وقد قربوا من الوقوع فيها.
قالت المعتزلة : ومعنى ذلك أنه تعالى لطف بهم بالرسول عليه السلام وسائر ألطافه حتى آمنوا قال أصحابنا : جميع الألطاف مشترك فيه بين المؤمن والكافر، فلو كان فاعل الإيمان وموجده هو العبد لكان العبد هو الذي أنقذ نفسه من النار، والله تعالى حكم بأنه هو الذي أنقذهم من النار، /فدل هذا على أن خالق أفعال العباد هو الله سبحانه وتعالى.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
المسألة الثانية : شفا الشيء حرفه مقصور، مثل شفا البئر والجمع الإشفاء، ومنه يقال : أشفى على الشيء إذا أشرف عليه كأنه بلغ شفاه، أي حده وحرفه وقوله ﴿فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ﴾ قال الأزهري : يقال نقذته وأنقذته واستنقذته، أي خلصته ونجيته.
وفي قوله ﴿فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ﴾ سؤال وهو : أنه تعالى إنما ينقذهم من الموضع الذي كانوا فيه وهم كانوا على شفا حفرة، وشفا الحفرة مذكر فكيف قال منها ؟