الصفة الثالثة : قوله تعالى :﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ وفيه وجوه الأول : يحتمل أن يكون حالاً من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع والخشوع إلا أن القفال رحمه الله روى في "تفسيره" حديثاً : أن ذلك غير جائز، وهو قوله عليه السلام :"ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً أو ساجداً" الثاني : يحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَـامًا﴾ (الفرقان : ٦٤) وقوله ﴿أَمَّنْ هُوَ قَـانِتٌ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآاـاِمًا يَحْذَرُ الاخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّه ﴾ (الزمر : ٩) قال الحسن : يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه، وهذا على معنى إرادة الراحة وإزالة التعب وإحداث النشاط الثالث : يحتمل أن يكون المراد بقوله ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أنهم يصلون وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجوداً وسجدة وركوعاً وركعة وتسبيحاً وتسبيحة، قال تعالى :﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة : ٤٣) أي صلوا وقال :﴿فَسُبْحَـانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (الروم : ١٧) والمراد الصلاة الرابع : يحتمل أن يكون المراد بقوله ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي يخضعون ويخشعون لله لأن العرب تسمي الخشوع سجوداً كقوله ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ﴾ (النمل : ٤٩) وكل هذه الوجوه ذكرها القفال رحمه الله.
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨
الصفة الرابعة : قوله ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ﴾ واعلم أن اليهود كانوا أيضاً يقومون /في الليالي للتهجد وقراءة التوراة، فلما مدح المؤمنين بالتهجد وقراءة القرآن أردف ذلك بقوله ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ﴾ وقد بينا أن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بجميع أنبيائه ورسله والإيمان باليوم الآخر يستلزم الحذر من المعاصي، وهؤلاء اليهود ينكرون أنبياء الله ولا يحترزون عن معاصي الله، فلم يحصل لهم الإيمان بالمبدأ والمعاد.
واعلم أن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وأفضل الأعمال الصلاة وأفضل الأذكار ذكر الله، وأفضل المعارف معرفة المبدأ ومعرفة المعاد، فقوله ﴿يَتْلُونَ ءَايَـاتِ اللَّهِ ءَانَآءَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ إشارة إلى الأعمال الصالحة الصادرة عنهم وقوله ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ﴾ إشارة إلى فضل المعارف الحاصلة في قلوبهم فكان هذا إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية وفي القوة النظرية/ وذلك أكمل أحوال الإنسان، وهي المرتبة التي يقال لها : إنها آخر درجات الإنسانية وأول درجات الملكية.
الصفة الخامسة : قوله ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
الصفة السادسة : قوله ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ واعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاماً وفوق التمام فكون الإنسان تاماً ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم ذكره، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين، وذلك بطريقين، إما بإرشادهم إلى ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف، أو يمنعهم عما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر، قال ابن عباس رضي الله عنهما :﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بتوحيد الله وبنبوّة محمد صلى الله عليه وسلّم ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ﴾ أي ينهون عن الشرك بالله، وعن إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلّم، واعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير دليل، فهو يتناول كل معروف وكل منكر.
الصفة السابعة : قوله ﴿وَيُسَـارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ﴾ وفيه وجهان أحدهما : أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت، والآخر : يعملونها غير متثاقلين. فإن قيل : أليس أن العجلة مذمومة قال عليه الصلاة والسلام :"العجلة من الشيطان والتأني من الرحمن" فما الفرق بين السرعة وبين العجلة ؟
قلنا : السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين، لأن من رغب في الأمر، آثر الفور على التراخي، قال تعالى :﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (آل عمران : ١٣٣) وأيضاً العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى :﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى ﴾ (طه : ٨٤).
جزء : ٨ رقم الصفحة : ٣٠٨