والجواب عن الأول أن نقول : إن أحوال هؤلاء عجيبة جداً، فإن ابن مسعود نقل عنه أنه كان يقول : أنا مؤمن إن شاء الله، ولم ينقل عن أحد من الصحابة المبالغة في نصرة هذا المذهب كما نقل عن ابن مسعود، ثم أن الحنفية لا تلتفت إلى هذا، بل نقول : إن القائل به شاك في دينه، والشاك لا يكون مؤمناً، فإن كان قول ابن مسعود حجة فلم لم يقبلوا قوله في تلك المسألة ؟
وإن لم يكن حجة فلم عليه في هذه المسألة ؟
ولعمري هذه المناقضات عجيبة، وأيضاً فقد نقل عن ابن مسعود حذف المعوذتين وحذف الفاتحة عن القرآن ويجب علينا إحسان الظن به ؛ وأن نقول : أنه رجع عن هذه المذاهب، وأما قوله تعالى :﴿وَإِنَّه لَفِى زُبُرِ الاوَّلِينَ﴾ (الشعراء : ١٩٦) فالمعنى أن هذه القصص موجودة في زبر الأولين، وقوله تعالى :﴿لانذِرَكُم﴾ فالمعنى لأنذركم معناه، وهذا القدر القليل من المجاز يجوز تحمله لأجل الدلائل القاهرة القاطعة التي ذكرناها.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
المسألة الثانية عشرة : قال الشافعي في القول الجديد تجب القراءة على المقتدى ؛ سواء أسر الإمام بالقراءة أو جهر بها، وقال في القديم : تجب القراءة إذا أسر الإمام، ولا تجب إذا جهر وهو قول مالك وابن المبارك وقال أبو حنيفة تكره القراءة خلف الإمام بكل حال، ولنا وجوه : ـ
الحجة الأولى : قوله تعالى :﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ ﴾ (المزمل : ٢٠) وهذا الأمر يتناول المنفرد والمأموم.
الحجة الثانية : أنه صلى الله عليه وسلّم كان يقرأ في الصلاة فيجب علينا ذلك لقوله تعالى :﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ إلا أن يقال : إن كونه مأموماً يمنع منه إلا أنه معارضة.
الحجة الثالثة : أنا بينا أن قوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ أمر بمجموع الأفعال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يفعلها، ومن جملة تلك الأفعال قراءة الفاتحة، فكان قوله :﴿وَأَنْ أَقِيمُوا ﴾ يدخل فيه الأمر بقراءة الفاتحة.
الحجة الرابعة : قوله عليه السلام :"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" وقد ثبت تقرير وجه الدليل.
فإن قالوا : هذا الخبر مخصوص بحال الانفراد لأنه روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلِ، إلا أن يكون وراء الإمام، قلنا : هذا الحديث طعنوا فيه.
الحجة الخامسة : قوله عليه الصلاة والسلام للأَعرابي الذي علمه أعمال الصلاة :"ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن" وهذا يتناول المنفرد والمأموم.
الحجة السادسة : روى أبو عيسى الترمذي في "جامعة" بإسناده عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال : قرأ النبي عليه الصلاة والسلام في الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال :"مالي أراكم تقرؤن خلف إمامكم"، قلنا : أي والله، قال :"لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، قال أبو عيسى الترمذي : هذا حديث حسن.
الحجة السابعة : روى مالك في "الموطأ ع"ن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تام، قال : فقلت يا أبا هريرة، إني أكون أحياناً خلف الإمام، قال : إقرأ بها يا فارسي في نفسك، والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول :/ أن صلاة المقتدى بدون القراءة مبرأة عن الخداج عند الخصم، وهو على خلاف النص الثاني : أن السائل أورد الصلاة خلف الإمام على أبي هريرة بوجوب القراءة عليه في هذه الحالة، وذلك يؤيد المطلوب.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الحجة الثامنة : روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال :"إن الله تعالى يقول :"قسمت الصة بيني وبين عبدي نصفين"، بين أن التنصيف إنما يحصل بسبب القراءة، فوجب أن تكون قراءة الفاتحة من لوازم الصلاة، وهذا التنصيف قائم في صلاة المنفرد وفي صلاة المقتدى".
الحجة التاسعة : روى الدارقطني بإسناده عن عبادة بن الصامت قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه الكريم فقال : هل تقرؤن إذا جهرت بالقراءة ؟
فقال بعضنا أنا لنصنع ذلك، فقال : وأنا أقول مالي أنازع القرآن، لا تقرؤا شيئاً من القرآن إذا جهرت بقراءتي إلا أم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها.
الحجة العاشرة : أن الأحاديث الكثيرة دالة على أن قراءة القرآن توجب الثواب العظيم وهي متناولة للمنفرد والمقتدى، فوجب أن تكون قراءتها في الصلاة خلف الإمام موجبة للثواب العظيم، وكل من قال بذلك قال بوجوب قراءتها.
الحجة الحادية عشرة : وافق أبو حنيفة رضي الله عنه على أن القراءة خلف الإمام لا تبطل الصلاة، وأما عدم قراءتها فهو عندنا يبطل الصلاة، فثبت أن القراءة أحوط، فكانت واجبة لقوله عليه الصلاة والسلام :"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".