الحجة الثانية عشرة : إذا بقي المقتدى ساكتاً عن القراءة مع أنه لا يسمع قراءة الإمام بقي معطلاً، فوجب أن يكون حال القارىء أفضل منه، لقوله عليه الصلاة والسلام :"أفضل الأعمال قراءة القرآن" وإذا ثبت أن القراءة أفضل من السكوت في هذه الحالة ثبت القول بالوجوب، لأنه لا قائل بالفرق.
الحجة الثالثة عشرة : لو كان الاقتداء مانعاً من القراءة لكان الاقتداء حراماً، لأن قراءة القرآن عبادة عظيمة، والمانع من العبادة الشريفة محرم، فيلزمه أن يكون الاقتداء حراماً، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الاقتداء لا يمنع من القراءة.
واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى :﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَه ﴾ (الأعراف : ٢٠٤) واعلم أنا بينا في تفسير هذه الآية أنها لا تدل على قولهم، وبالغنا، فليطالع ذلك الموضع من هذا التفسير ؛ وأما الأخبار فقد ذكروا أخباراً كثيرة والشيخ أحمد البيهقي بين ضعفها/ ثم نقول : هب أنها صحيحة، ولكن الأخبار لما تعارضت وكثرت فلا بدّ من الترجيح، وهو معنا من وجوه : الأول : أن قولنا يوجب الاشتغال بقراءة القرآن، وهو من أعظم الطاعات، وقولهم يوجب العطلة والسكوت عن ذكر الله ولا شك أن قولنا أولى : الثاني : أن قولنا أحوط الثالث : أن قولنا يوجب شغل جميع أجزاء الصلاة بالطاعات والأذكار الجميلة، وقولهم يوجب تعطيل الوقت عن الطاعة والذكر.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
المسألة الثالثة عشرة : قال الشافعي رضي الله عنه : قراءة الفاتحة واجبة في كل ركعة، فإن تركها في ركعة بطلت صلاته، قال الشيخ أبو حامد الإسفرايني : وهذا القول مجمع عليه بين الصحابة، قال به أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود.
واعلم أن المذاهب في هذه المسألة ستة : أحدها : قول الأصم وابن علية، وهو أن القراءة غير واجبة أصلاً والثاني : قول الحسن البصري والحسن بن صالح بن جني أن القرءة إنما تجب في ركعة واحدة، لقوله عليه الصلاة والسلام :"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" والاستثناء من النفي إثبات، فإذا حصلت قراءة الفاتحة في الصلاة مرة واحدة وجب القول بصحة الصلاة بحكم الاستثناء والثالث : قول أبي حنيفة، وهو أن القراءة في الركعتين الأولتين واجبة، وهو في الأخيرتين بالخيار، إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت، وذكر في كتاب "الاستحباب" أن القراءة واجبة في الركعتين من غير تعيين والرابع : نقل ابن الصباغ في كتاب "الشامل" عن سفيان أنه قال : تجب القراءة في الركعتين الأوليين وتكره في الأخريين والخامس : وهو قول مالك أن القراءة واجبة في أكثر الركعات، ولا تجب في جميعها، فإن كانت الصلاة أربع ركعات كفت القراءة في ثلاث ركعات، وإن كانت مغرباً كفت في ركعتين، وإن كانت صبحاً وجبت القراءة فيهما معاً والسادس : وهو قول الشافعي وهو أن القراءة واجبة في كل الركعات.
ويدل على صحته وجوه : الحجة الأولى : أنه صلى الله عليه وسلّم كان يقرأ في كل الركعات فيجب علينا مثله، لقوله تعالى :﴿وَكَلِمَـاتِه وَاتَّبِعُوهُ﴾. الحجة الثانية : أن الأعرابي الذي علمه عليه الصلاة والسلام الصلاة أمره أن يقرأ بأم القرآن، ثم قال : وكذلك فافعل في كل ركعة، والأمر للوجوب، فإن قالوا قوله :"فافعل في كل ركعة" راجع إلى الأفعال لا إلى الأقوال، قلنا / القول فعل اللسان فهو داخل في الأفعال. الحجة الثالثة : نقل الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتاب "الشامل" عن أبي سعيد الخدري أنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة فريضة كانت أو نافلة. الحجة الرابعة : القراءة في الركعات أحوط فوجب القول بوجوبها. الحجة الخامسة : أمر بالصلاة والأصل في الثابت البقاء، حكمنا بالخروج عن العهدة عند القراءة في كل الركعات لأجل أن هذه الصلاة أكمل، فعند عدم القراءة في الكل وجب أن يبقى في العهدة.
واحتج المخالف بما روي عن عائشة أنها قالت : فرضت الصلاة في الأصل ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر، وإذا ثبت هذا فنقول : الركعتان الأوليان أصل والأخريان تبع، ومدار الأمر في التبع على التخفيف، ولهذا المعنى فإنه لا يقرأ السورة الزائدة فيهما، ولا يجهر بالقراءة فيهما. والجواب أن دلائلنا أكثر وأقوى، ومذهبنا أحوط، فكان أرجح.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
فروع على اشتراط الفاتحة في الصلاة :
المسألة الرابعة عشرة :