إذا عرفت هذا فكل ما في العالم من محنة وبلية وألم ومشقة فهو وإن كان عذاباً وألماً في الظاهر إلا أنه حكمة ورحمة في الحقيقة، وتحقيقه ما قيل في الحكمة : إن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير، فالمقصود من التكاليف تطهير الأرواح عن العلائق الجسدانية كما قال تعالى :﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لانفُسِكُمْ ﴾ (الإسراء : ٧) والمقصود من خلق النار صرف الأشرار إلى أعمال الأبرار، وجذبها من دار الفرار إلى دار القرار، كما قال تعالى :﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّه ﴾ (الذاريات : ٥٠) وأقرب مثال لهذا الباب قصة موسى والخضر عليهما السلام، فإن موسى كان يبني الحكم على ظواهر الأمور فاستنكر تخريق السفينة وقتل الغلام وعمارة الجدار المائل، وأما الخضر فإنه كان يبني أحكامه على الحقائق والأسرار فقال :﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـاكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا * وَأَمَّا الْغُلَـامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَـانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَواةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا * وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِى الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَه كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا﴾ (الكهف : ٧٩ ـ ٨٢) فظهر بهذه القصة أن الحكيم المحقق هو الذي يبني أمره على الحقائق لا على الظاهر، فإذا رأيت ما يكرهه طبعك وينفر عنه عقلك فاعلم أن تحته أسراراً خفية وحكماً بالغة، وأن حكمته ورحمته اقتضت ذلك، وعند ذلك يظهر لك أثر من بحار أسرار قوله الرحمن الرحيم.
الفائدة الثانية : الرحمن : اسم خاص بالله، والرحيم : ينطلق عليه وعلى غيره.
فإن قيل : فعلى هذا : الرحمن أعظم : فلم ذكر الأدنى بعد ذكر الأعلى ؟
والجواب : لأن الكبير العظيم لا يطلب منه الشيء الحقير اليسير، حكي أن بعضهم ذهب إلى بعض الأكابر فقال : جئتك لمهم يسير فقال : اطلب للمهم اليسير رجلاً يسيراً، كأنه تعالى يقول : لو اقتصرت على ذكر الرحمن لاحتشمت عني ولتعذر عليك سؤال الأمور اليسيرة، ولكن كما علمتني رحماناً تطلب مني الأمور العظيمة، فأنا أيضاً رحيم ؛ فاطلب مني شراك نعلك وملح قدرك، كما قال تعالى لموسى :"يا موسى سلني عن ملح قدرك وعلف شاتك".
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الفائدة الثالثة : وصف نفسه بكونه رحماناً رحيماً، ثم إنه أعطى مريم عليها السلام رحمة واحدة حيث قال :﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ (مريم : ٢١) فتلك الرحمة صارت سبباً لنجاتها من توبيخ / الكفار الفجار، ثم أنا نصفه كل يوم أربعة وثلاثين مرة أنه رحمن وأنه رحيم، وذلك لأن الصلوات سبع عشرة ركعة، ويقرأ لفظ الرحمن الرحيم في كل ركعة مرتين مرة في بسم الله الرحمن الرحيم ومرة في قوله :﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَـالَمِينَ * الرَّحْمَـن ِ الرَّحِيمِ﴾ (الفاتحة : ١، ٢) فلما صار ذكر الرحمة مرة واحدة سبباً لخلاص مريم عليها السلام عن المكروهات أفلا يصير ذكر الرحمة هذه المرات الكثيرة طول العمر سبباً لنجاة المسلمين من النار والعار والدمار ؟
الفائدة الرابعة : أنه تعالى رحمن لأنه يخلق ما لا يقدر العبد عليه، رحيم لأنه يفعل ما لا يقدر العبد على جنسه، فكأنه تعالى يقول : أنا رحمن لأنك تسلم إلى نطفة مذرة فاسلمها إليك صورة حسنة، كما قال تعالى :﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ (غافر : ٦٤) وأنا رحيم لأنك تسلم إلى طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة.
الفائدة الخامسة : روى أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله فأتوا النبي صلى الله عليه وسلّم وأخبروه به، فقام ودخل عليه، وجعل يعرض عليه الشهادة وهو يتحرك ويضطرب ولا يعمل لسانه فقال النبي صلى الله عليه وسلّم :"أما كان يصلي ؟
أما كان يصوم ؟
أما كان يزكي ؟
" فقالوا : بلى، فقال :"هل عق والديه ؟
" فقالوا : بلى، فقال عليه السلام :"هاتوا بأمه"، فجاءت وهي عجوز عوراء فقال عليه السلام :"هلا عفوت عنه"، فقالت : لا أعفو لأنه لطمني ففقأ عيني، فقال عليه السلام :"هاتوا بالحطب والنار"، فقالت : وما تصنع بالنار ؟
فقال عليه السلام :"أحرقه بالنار بين يديك جزاء لما عمل بك"، فقالت : عفوت عفوت، أللنار حملته تسعة أشهر ؟
أللنار أرضعته سنتين ؟
فأين رحمة الأم ؟
فعند ذلك انطلق لسانه، وذكر أشهد أن لا إله إلا الله، والنكتة أنها كانت رحيمة وما كانت رحمانة فلأجل ذلك القدر القليل من الرحمة ما جوزت الإحراق بالنار، فالرحمن الرحيم الذي لم يتضرر بجنايات عبيده مع عنايته بعباده كيف يستجيز أن يحرق المؤمن الذي واظب على شهادة أن لا إله إلا الله سبعين سنة بالنار.


الصفحة التالية
Icon