يحكى عن إبراهيم بن أدهم أنه كان يسير إلى بيت الله، فإذا أعرابي على ناقة له فقال : يا شيخ إلى ؤين ؟
فقال إبراهيم إلى بيت الله، قال كأنك مجنون لا أرى لك مركباً ؛ ولا زاداً، والسفر طويل، فقال إبراهيم : إن لي مراكب كثيرة ولكنك لا تراها، قال : وما هي ؟
قال : إذا نزلت على بلية ركبت مركب الصبر، وإذا نزل على نعمة ركبت مركب الشكر وإذا نزل بي القضاء ركبت مركب الرضا، وإذا دعتني النفس إلى شيء علمت أن ما بقي من العمر أقل مما مضى فقال الأعرابي : سر بإذن الله فأنت الراكب وأنا الراجل.
الوجه السادس : قال بعضهم : الصراط المستقيم : الإسلام، وقال بعضهم : القرآن، وهذا لا يصح ؛ لأن قوله :﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وإذا كان كذلك كان التقدير إهدنا صراط من أنعمت عليهم من المتقدمين، ومن تقدمنا من الأمم ما كان لهم القرآن والإسلام/ وإذا بطل ذلك ثبت أن المراد إهدنا صراط المحقين المستحقين للجنة، وإنما قال الصراط ولم يقل السبيل ولا الطريق وإن كان الكل واحداً ليكون لفظ الصراط مذكراً لصراط جهنم فيكون الإنسان على مزيد خوف وخشية.
القول الثاني في تفسير إهدنا : أي ثبتنا على الهداية التي وهبتها منا، ونظيره قوله تعالى :﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (آل عمران : ٨٠) أي ثبتنا على الهداية فكم من عالم وقعت له شبهة ضعيفة في خاطره فزاغ وذل وانحرف عن الدين القويم والمنهج المستقيم.
الفائدة الثانية : لقائل أن يقول : لم قال إهدنا ولم يقل إهدني ؟
والجواب من وجهين : الأول أن الدعاء كلما كان أعم كان إلى الإجابة أقرب. كان بعض العلماء يقول لتلامذته : إذ قرأتم في خطبة السابق "ورضي الله عنك وعن جماعة المسلمين" إن نويتني في قولك "رضي الله عنك" فحسن، وإلا فلا حرج، ولكن إياك وأن تنساني في قولك "وعن جماعة المسلمين" لأن قوله رضي الله عنك تخصيص بالدعاء فيجوز أن لا يقبل، وأما قوله وعن جماعة المسلمين فلا بدّ وأن يكون في المسلمين من يستحقق الإجابة، وإذا أجاب الله الدعاء في البعض فهو أكرم من أن يرده في الباقي، ولهذا السبب فإن السنة إذا أراد أن يذكر دعاء أن يصلي أولاً على النبي صلى الله عليه وسلّم ثم يدعو ثم يختم الكلام بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلّم ثانياً ؛ لأن الله تعالى يجيب الداعي في صلاته على النبي صلى الله عليه وسلّم، ثم إذا أجيب في طرفي دعائه امتنع أن يرد في وسطه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
الثاني : قال عليه الصلاة والسلام :"ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها، قالوا : يا رسول الله ومن لنا بتلك الألسنة، قال يدعو بعضكم لبعض ؛ لأنك ما عصيت بلسانه وهو ما عصى بلسانك.
والثالث : كأنه يقول : أيها البعد، ألست قلت في أول السورة الحمد لله وما قلت أحمد الله فذكرت أولاً حمد جميع الحامدين فكذلك في وقت الدعاء أشركهم فقل إهدنا.
الرابع : كان العبد يقول : سمعت رسولك يقول : الجماعة رحمة، والفرقة عذاب، فلما أردت تحميدك ذكرت حمد الجميع فقلت الحمد لله، ولما ذكرت العبادة ذكرت عبادة الجميع فقلت إياك نعبد، ولما ذكرت الاستعانة ذكرت استعانة الجميع فقلت وإياك نستعين، فلا جرم لما طلبت الهداية طلبتها للجميع فقلت إهدنا الصراط المستقيم، ولما طلبت الاقتداء بالصالحين طلبت الاقتداء بالجميع فقلت صراط الذين أنعمت عليهم، ولما طلبت الفرار من المردودين فررت من الكل فقلت غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فلما لم أفارق الأنبياء والصالحين في الدنيا فأرجو أن لا أفارقهم في القيامة، قال تعالى :﴿فَ أولئك مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّانَ﴾ (النساء : ٦٩) الآية.
الفائدة الثالثة : اعلم أن أهل الهندسة قالوا الخط المستقيم هو أققصر خط يصل بين نقطتين، فالحاصل أن الخط المستقيم أقصر من جميع الخطوط المعوجة، فكان العبد يقول : إهدنا الصراط المستقيم لوجوه : الأول : أنه أقرب الخطوط وأقصرها، وأنا عاجز فلا يليق بضعفي إلا الطريق المستقيم. الثاني : أن المستقيم واحد وما عداه معوجة وبعضها يشبه بعضاً في الإعوجاج فيشتبه الطريق على، أما المسقيت فلا يشابهه غيره فكان أبعد عن الخوف والآفات وأقرب إلى الأمان. الثالث : الطريق المستقيم يوصل إلى المقصود، والمعوج لا يوصل إليه. الرابع : المستقيم لا يتغير، والمعوج يتغير، فلهذه الأسباب سأل الصراط المستقيم، والله أعلم.
الفصل الثامن
في تفسير قوله صراط الذين أنعمت عليهم، وفيه فوائد
معنى قوله (صراط الذين أنعمت عليهم) :