الفائدة التاسعة : في الآية سؤال آخر، وهو أن من أنعم الله عليه امتنع أن يكون مغضوباً عليه وأن يكون من الضالين، فلما ذكر قوله أنعمت عليهم فما الفائدة في أن ذكر عقيبه غير المغضوب عليهم ولا الضالين ؟
والجواب : الإيمان إنما يكمل بالرجاء والخوف، كما قال عليه السلام :"لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا، فقوله : صراط الذين أنعمت عليهم يوجب الرجاء الكامل، وقوله : غير المغضوب عليهم ولا الضالين يوجب الخوف الكامل، وحينئذٍ يقوى الإيمان بركنيه وطرفيه، وينتهي إلى حد الكمال.
الفائدة العاشرة : في الآية سؤال آخر، ما الحكمة في أنه تعالى جعل المقبولين طائفة واحدة وهم الذين أنعم الله عليهم، والمردودين فريقين : المغضوب عليهم، والضالين ؟
والجواب أن أن الذين كملت نعم الله عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به، فهؤلاء هم المرادون بقوله : أنعمت عليهم، فإن اختل قيد العمل فهم الفسقة وهم المغضوب عليهم كما قال تعالى :﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُه جَهَنَّمُ خَـالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَه ﴾ (النساء : ٩٣) وإن اختل قيد العلم فهم الضالون لقوله تعالى :﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلـالُ ﴾ (يونس : ٣٢) وهذا آخر كلامنا في تفسير كل واحدة من آيات هذه السورة على التفصيل، والله أعلم.
القسم الثاني
الكلام في تفسير مجموع هذه السورة، وفيه فصول
الفصل الأول
في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه السورة
اعلم أن عالم الدنيا عالم الكدورة، وعالم الآخرة عالم الصفاء، فالآخرة بالنسبة إلى الدنيا كالأصل بالنسبة إلى الفرع، وكالجسم بالنسبة إلى الظل، فكل ما في الدنيا فلا بدّ له في الآخرة من أصل، وإلا كان كالسراب الباطل والخيال العاطل/ وكل ما في الآخرة فلا بدّ له في الدنيا من مثال، وإلا لكان كالشجرة بلا ثمرة ومدلول بلا دليل، فعالم الروحانيات عالم الأضواء والأنوار والبهجة والسرور واللذة والحبور، ولا شك أن الروحانيات مختلفة بالكمال والنقصان ولا بدّ وأن يكون منها واحد هو أشرفها وأعلاها وأكملها وأبهاها، ويكون ما سواه في طاعته وتحت أمره ونهيه، كما قال :﴿ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (التكوين : ٢٠) وأيضاً فلا بدّ في الدنيا من شخص واحد هو أشرف أشخاص هذا العالم وأكملها وأعلاها وأبهاها، ويكون كل ما سواه في هذا العالم تحت طاعته وأمره، فالمطاع الأول هو المطاع في عالم الروحانيات والمطاع الثاني هو المطاع في عالم الجسمانيات، فذاك مطاع العالم الأعلى، وهذا مطاع العالم الأسفل ولما ذكرنا أن عالم الجسمانيات كالظل لعالم الروحانيات وكالأثر وجب أن يكون بين هذين المطاعين ملاقاة ومقارنة ومجانسة، فالمطاع في عالم الأوراح هو المصدر، والمطاع في عالم الأجسام هو المظهر والمصدر هو الرسول الملكي، والمظهر هو الرسول البشري، وبهما يتم أمر السعادات في الآخرة وفي الدنيا.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
وإذا عرفت هذا فنقول : كمال حال الرسول البشري إنما يظهر في الدعوة إلى الله، وهذه الدعوة إنما تتم بأمور سبعة ذكرها الله تعالى في خاتمة سورة البقرة وهي قوله :﴿وَالْمُؤْمِنُونَا كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾ ـ الآية ويندرج في أحكام الرسل قوله :﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِه ﴾ (البقرة : ٢٨٥) فهذه الأربعة متعلقة بمعرفة المبدأ، وهي معرفة الربوبية، ثم ذكر بعدها ما يتعلق بمعرفة العبودية / وهو مبني على أمرين : أحدهما : المبدأ، والثاني : الكمال. فالمبدأ هو قوله تعالى :﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ (البقرة : ٩٣) لأن هذا المعنى لا بدّ منه لمن يريد الذهاب إلى الله، وأما الكمال فهو التوكل على الله والالتجاء بالكلية إليه وهو قوله :﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ وهو قطع النظر عن الأعمال البشرية والطاعات الإنسانية والالتجاء بالكلية إلى الله تعالى وطلب الرحمة منه وطلب المغفرة، ثم إذا تمت معرفة الربوبية بسبب معرفة الأصول الأربعة المذكورة وتمت معرفة العبودية بسبب معرفة هذين الأصلين المذكورين لم يبق بعد ذلك إلا الذهاب إلى حضرة الملك الوهاب والاستعداد للذهاب إلى المعاد، وهو المراد من قوله :﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ويظهر من هذا أن المراتب ثلاثة : المبدأ والوسط، والمعاد، أما المبدأ فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمور أربعة : وهي معرفة الله، والملائكة، والكتب، والرسل، وأما الوسط فإنما يكمل معرفته بمعرفة أمرين :"سمعنا وأطعنا" نصيب عالم الأجساد، و"غفرانك ربنا" نصيب عالم الأرواح، وأما النهاية فهي إنما تتم بأمر واحد، وهو قوله :﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة : ٢٨٥) فابتداء الأمر أربعة، وفي الوسط صار اثنين، وفي النهاية صار واحداً.
ولما ثبتت هذه المراتب السبع في المعرفة تفرع عنها سبع مراتب في الدعاء والتضرع : ـ


الصفحة التالية
Icon