واعلم أن ختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأمات ختان المرأة فاعلم أن شفريها محيطان بثلاثة أشياء : ثقبة في أسفل الفرج وهو مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة أخرى فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث، فوق ثقبة البول موضع ختانها، وهناك جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك، وقطع هذه الجلدة هو ختانها، فإذا غابت الحشفة حاذى ختانها ختانه.
المسألة الثانية : قوله ﴿فَاطَّهَّرُوا ﴾ أمر على الاطلاق بحيث لم يكن مخصوصاً بعضو معين دون عضو، فكان ذلك أمراً بتحصيل الطهارة في كل البدن على الاطلاق، ولأن الطهارة لما كانت مخصوصة ببعض الأعضاء لا جرم ذكر الله تعالى تلك الأعضاء على التعيين، فههنا لما لم يذكر شيئاً من الأعضاء على التعيين علم أن هذا الأمر أمر بطهارة كل البدن.
جزء : ١١ رقم الصفحة : ٢٩٦
واعلم أن هذا التطهير هو الاغتسال كما قال في موضع آخر ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ﴾ (النساء : ٤٣).
المسألة الثالثة : الدلك غير واجب في الغسل، وقال مالك رحمه الله : واجب. لنا أن أقوله ﴿فَاطَّهَّرُوا ﴾ أمر بتطهير البدن، وتطهير البدن لا يعتبر فيه الدلك بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلّم لما سئل عن الاغتسال من الجناية قال :"أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات خفيفات من الماء فإذا أنا قد طهرت" أثبت حصول الطهارة بدون الدلك، فدل على أن التطهير لا يتوقف على الدلك.
المسألة الربعة : لا يجوز للجنب مس المصحف. وقال داود : يجوز. لنا قوله ﴿فَاطَّهَّرُوا ﴾ فدل على أنه ليس بطاهر، وإلا لكان ذلك أمراً بتطهير الطاهر وإنه غير جائز، وإذا لم يكن طاهراً لم يجز له مس المصحف لقوله تعالى :﴿لا يَمَسُّه ا إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة : ٧٩).
المسألة الخامسة : لا يجب تقديم الوضوء على الغسل، وقال أبو ثور وداود : يجب. لنا أن قوله ﴿فَاطَّهَّرُوا ﴾ أمر بالتطهير، والتطهير حاصل بمجرد الاغتسال، ولا يتوقف على الوضوء بدليل قوله عليه الصلاة والسلام :"أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت".
المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل، وقال أبو حنيفة رحمه الله : هما واجبان.
حجة الشافعي قوله عليه الصلاة والسلام :"أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت".
وحجة أبي حنيفة الآية والخبر. أما الآية فقوله تعالى :﴿فَاطَّهَّرُوا ﴾ وهذا أمر بأن يطهروا أنفسهم، وتطهير النفس لا يحصل إلا بتطهير جميع أجزاء النفس، ترك العمل به في الأجزاء الباطنة التي يتعذر تطهيرها، وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما، فوجب بقاؤهما تحت النص، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام :"بلوا الشعر وانقوا البشرة" فإن تحت كل شعرة جنابة" فقوله "بلوا الشعر" يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً، وقوله "وانقوا البشرة" يدخل فيه جلدة داخل الفم.
المسألة الرابعة : شعر الرأس إن كان مفتولاً لا مشدوداً بعضه ببعض نظر، فإن كان ذلك يمنع من وصول الماء إلى جلدة الرأس وجب نقضه، وقال مالك لا يجب، وإن كان لا يمنع لم يجب وقال النخعي : يجب. لنا أن قوله :﴿فَاطَّهَّرُوا ﴾ عبارة عن إيصال الماء إلى جميع أجزاء البدن، فإن كان شد بعض الشعور بالبعض مانعاً منه وجب إزالة ذلك الشد ليزول ذلك المانع، فإن لم يكن مانعاً منه لم يجب إزالته، لأن ما هو المقصود قد حصل فلا حاجة إليه.
جزء : ١١ رقم الصفحة : ٢٩٦
المسألة الثامنة : قال الأكثرون : لا ترتيب في الغسل، وقال إسحاق : تجب البداءة بأعلى البدن لنا أن قوله ﴿فَاطَّهَّرُوا ﴾ أمر بالتطهير المطلق، وذلك حاصل بإيصال الماء إلى كل البدن، فإذا حصل التطهير وجب أن يكون كافياً في الخروج عن العهدة.
قوله تعالى :﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى ا أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَآئِطِ أَوْ لَـامَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ (النساء : ٤٣) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : يجوز للمريض أن يتيمم لقوله تعالى :﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى ا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ ولا يجوز أن يقال : إنه شرط فيه عدم الماء، لأن عدم الماء يبيح التيمم، فلا معنى لضمه إلى المرض، وإنما يرجع قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً﴾ إلى المسافر.


الصفحة التالية
Icon