إذا عرفت هذا فنقول : الحق سبحانه وتعالى له عرش، وكرسي، فعقد المكان بالكرسي فقال :﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ ﴾ (البقرة : ٢٥٥) وعقد الزمان بالعرش فقال :﴿وَكَانَ عَرْشُه عَلَى الْمَآءِ﴾ (هود : ٧) لأن جرى الزمان يشبه جري الماء، فلا مكان وراء الكرسي، ولا زمان وراء العرش، فالعلو صفة الكرسي وهو قوله :﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضَ ﴾ والعظمة صفة العرش وهو قوله :﴿فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لا إِلَـاهَ إِلا هُوَا عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُا وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (التوبة : ١٢٩) وكمال العلو والعظمة لله كما قال :﴿وَلا يَاُودُه حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة : ٢٥٥).
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
واعلم أن العلو والعظمة درجتان من درجات الكمال، إلا أن درجة العظمة أكمل وأقوى من درجة العلو، وفوقهما درجة الكبرياء قال تعالى :"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري"، ولا شك أن الرداء أعظم من الإزار، وفوق جميع هذه الصفات بالرتبة والشرف صفة الجلال، وهي تقدسه في حقيقته المخصوصة وهويته المعينة عن مناسبة شيء من الممكنات، وهو لتلك الهوية المخصوصة استحق صفة الإلهية، فلهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام :"ألظوا بياذا الجلال والإكرام" (الرحمن : ٢٧)، وقال :﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَـالِ وَالاكْرَامِ﴾ (الرحمن : ٧٨) وقال :﴿تَبَـارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِى الْجَلَـالِ وَالاكْرَامِ﴾ إذا عرفت هذا الأصل فاعلم أن المصلى إذا قصد الصلاة صار من جملة من قال الله في صفتهم :﴿يُرِيدُونَ وَجْهَه ﴾ (الأنعام : ٥٢، الكهف : ٢٨) ومن أراد الدخول على السلطان العظيم وجب عليه أن يطهر نفسه من الأدناس والأنجاس، ولهذا التطهير مراتب : المرتبة الأولى : التطهير من دنس الذنوب بالتوبة، كما قال تعالى :﴿تَعْمَلُونَ * يَـا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ (التحريم : ٨) ومن كان في مقام الزهد كانت طهارته من الدنيا حلالها وحرامها، ومن كان في مقام الإخلاص كانت طهارته من الالتفات إلى أعماله، ومن كان في مقام المحسنين كانت طهارته من الالتفات إلى حسناته، ومن كان في مقام الصديقين كانت طهارته من كل ما سوى الله، وبالجملة فالمقامات كثيرة والدرجات متفاوتة كأنها غير متناهية، كما قال تعالى :﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه ﴾ (الروم : ٣٠٠) فإذا أردت أن تكون من جملة من قال الله فيهم :﴿يُرِيدُونَ وَجْهَه ﴾ فقم قائماً واستحضر في نفسك جميع مخلوقات الله تعالى من عالم الأجسام والأرواح وذلك بأن تبتدىء من نفسك وتستحضر في عقلك جملة أعضائك البسيطة والمركبة وجميع قواك الطبيعية والحيوانية والإنسانية، ثم استحضر في عقلك جملة ما في هذا العالم من أنواع المعادن والنبات والحيوان من الإنسان وغيره، ثم ضم إليه البحار والجبال والتلال والمفاوز وجملة ما فيها من عجائب النبات والحيوان وذرات الهباء، ثم ترق منها إلى سماء الدنيا على عطمها واتساعها، ثم لا تزال ترقى من سماء إلى سماء حتى تصل إلى سدرة المنتهى والرفرف واللوح / والقلم والجنة والنار والكرسي والعرش العظيم، ثم انتقل من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح واستحضر في عقلك جميع الأرواح الأرضية السفلية البشرية وغير البشرية، واستحضر جميع الأرواح المتعلقة بالجبال والبحار مثل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام عن ملك الجبال وملك البحار ثم استحضر ملائكة سماء الدنيا وملائكة جميع السموات السبع كما قال عليه الصلاة والسلام :"ما في السموات موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو قاعد" واستحضر جميع الملائكة الحافين حول العرش وجميع حملة العرش الكرسي ثم انتقل منها إلى ما هو خارج هذا العالم كما قال تعالى :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ ﴾ (المدثر : ٣١) فإذا استحضرت جميع هذه الأقسام من الروحانيات والجسمانيات فقل : الله أكبر، وتريد بقولك :"الله" الذات التي حصل بإيجادها وجود هذه الأشياء وحصلت لها كمالاتها في صفاتها وأفعالها، وتريد بقولك أكبر أنه منزه عن مشابهتها ومشاكلتها، بل هو منزه عن أن يحكم العقل بجواز مقايسته بها ومناسبته إليها فهذا هو المراد من قوله في أول الصلاة الله أكبر.
والوجه الثاني : في تفسير هذا التكبير : أنه عليه الصلاة والسلام قال : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فتقول : الله أكبر من أن لا يراني ومن أن لا يسمع كلامي.
والوجه الثالث : أن يكون المعنى الله أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأوهامهم وأفهامهم، قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه : التوحيد أن لا تتوهمه.