المسألة الثالثة : في قراءة زيد ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لاوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا﴾ والتأنيث بمعنى الآية. ثم قال تعالى :
جزء : ١٢ رقم الصفحة : ٤٦٣
٤٦٤
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم ونافع ﴿مُنَزِّلُهَا﴾ بالتشديد، والباقون بالتخفيف وهما لغتان نزل وأنزل وقيل : بالتشديد أي منزلها مرة بعد أخرى، وبالتخفيف مرة واحدة.
المسألة الثانية :﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أي بعد إنزال المائدة ﴿فَإِنِّى أُعَذِّبُه عَذَابًا لا أُعَذِّبُه ا أَحَدًا مِّنَ الْعَـالَمِينَ﴾ قال ابن عباس : يعني مسخهم خنازير وقيل : قردة وقيل : جنساً من العذاب لا يعذب به غيرهم. قال الزجاج : ويجوز أن يكون ذلك العذاب معجلاً لهم في الدنيا، ويجوز أن يكون مؤخراً إلى الآخرة، وقوله ﴿مِّنَ الْعَـالَمِينَ﴾ يعني عالمي زمانهم.
المسألة الثالثة : قيل : إنهم سألوا عيسى عليه السلام هذا السؤال عند نزولهم في مفازة على غير ماء ولا طعام ولذلك قالا نريد أن نأكل منها.
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن عيسى عليه السلام هل سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان قد أضافها إلى فنسه في الظاهر وكلاهما محتمل والله أعلم.
المسألة الخامسة : اختلفوا في أنه هل نزلت المائدة. فقال الحسن ومجاهد : ما نزلت واحتجوا عليه بوجهين : الأول : أن القوم لما سمعوا قوله ﴿أُعَذِّبُه عَذَابًا لا أُعَذِّبُه ا أَحَدًا مِّنَ الْعَـالَمِينَ﴾ استغفروا وقالوا لا نريدها. الثاني : أنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم فلو نزلت لبقي ذلك العيد إلى يوم القيامة. وقال الجمهور الأعظم من المفسرين : أنها نزلت لأنه تعالى قال ﴿إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ وهذا وعد بالإنزال جزماً من غير تعليق على شرط، فوجب حصول هذا النزول.
والجواب عن الأول : أن قوله ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّى أُعَذِّبُه ﴾ شرط وجزاء لا تعلق له بقوله ﴿إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ والجواب عن الثاني : أن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.
جزء : ١٢ رقم الصفحة : ٤٦٤
المسألة السادسة : روي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفاً، ثم قال : اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عليه السلام وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، وقال لهم ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها. فقال شمعون رأس الحواريين : أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل. وقال : بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسماً. وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون : يا روح الله : أمن طعام الدينا أمن طعام الآخرة ؟
فقال : ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزيدكم من فضله، فقال الحواريون : يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت، ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية، ثم طارت المائدة ثم عصوا من بعدها، فمسخوا قردة وخنازير.
جزء : ١٢ رقم الصفحة : ٤٦٤
٤٦٥
فيه مسائل :
المسألة الأولى : هذا معطوف على قوله ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَـاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ﴾ (المائدة : ١١٠) وعلى هذا القول فهذا الكلام إنما يذكره لعيسى يوم القيامة، ومنهم من قال : إنه تعالى قال هذا الكلام لعيسى عليه السلام حين رفعه إليه وتعلق بظاهر قوله ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ وإذ تستعمل للماضي، والقول الأول أصح، لأن الله تعالى عقب هذه القصة بقوله ﴿هَـاذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّـادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ (المائدة : ١١٩) والمراد به يوم القيامة، وأما التمسك بكلمة إذ فقد سبق الجواب عنه.
المسألة الثانية : في قوله ﴿قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـاهَيْنِ مِن دُونِ اللَّه قَالَ﴾ سؤالان : أحدهما : أن الاستفهام كيف يليق بعلام الغيوب. وثانيهما : أنه كان عالماً بأن عيسى عليه السلام لم يقل ذلك فلم خاطبه به ؟
فإن قلتم الغرض منه توبيخ النصارى وتقريعهم فنقول : إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى ومريم مع القول ينفي إلهية الله تعالى فكيف يجوز أن ينسب هذا القول إليهم مع أن أحداً منهم لم يقل به.
والجواب : عن السؤال الأول أنه استفهام على سبيل الإنكار.