والنكتة الثانية : أن الحمد لا يحصل إلا عند الفوز بالنعمة والرحمة، فلما كان الحمد أول الكلمات وجب أن تكون النعمة والرحمة أول الأفعال والأحكام، فلهذا السبب قال : سبقت رحمتي غضبي.
النكتة الثالثة : أن الرسول اسمه أحمد، ومعناه أنه أحمد الحامدين أي : أكثرهم حمداً، فوجب أن تكون نعم الله عليه أكثر لما بينا أن كثرة الحمد بحسب كثرة النعمة والرحمة، وإذا كان كذلك لزم أن تكون رحمة الله في حق محمد عليه السلام أكثر منها في حق جميع العالمين، فلهذا السبب قال :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَـالَمِينَ﴾ (الأنبياء : ١٠٧).
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
النكتة الرابعة : أن المرسل له اسمان مشتقان من الرحمة، وهما الرحمن الرحيم، وهما يفيدان المبالغة، والرسول له أيضاً اسمان مشتقان من الرحمة، وهما محمد وأحمد، لأنا بينا أن حصول الحمد مشروط بحصول الرحمة، فقولنا محمد وأحمد جار مجرى قولنا مرحوم وأرحم. وجاء في بعض الروايات أن من أسماء الرسول : الحمد، والحامد، والمحمود، فهذه خمسة أسماء للرسول دالة على الرحمة ؛ إذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى قال :﴿نَبِّئْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الحجر : ٤٩) فقوله : نبىء إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلّم، وهو مذكور قبل العباد، والياء في قوله : عبادي ضمير عائد إلى الله تعالى والياء في قوله : أني عائد إليه، وقوله : أنا عائد إليه، وقول : الغفور الرحيم، صفتان لله فهي خمسة ألفاظ دالة على الله الكريم الرحيم، فالعبد يمشي يوم القيامة وقدامه الرسول عليه الصلاة والسلام مع خمسة أسماء تدل على الرحمة، وخلفه خمسة ألفاظ من أسماء الله تدل على الرحمة، ورحمة الرسول كثيرة كما قال تعالى :﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَـالَمِينَ﴾ ورحمة الله غير متناهية كما قال تعالى :﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ﴾ (الأعراف : ١٥٦) فكيف يعقل أن يضيع المذنب مع هذه البحار الزاخرة العشرة المملوءة من الرحمة ؟
وأما فوائد الأسماء الخمسة المذكورة في هذه السورة فأشياء : النكتة الأولى : أن سورة الفاتحة فيها عشرة أشياء، منها خمسة من صفات الربوبية، وهي : الله، والرب، والرحمن، والرحيم، والمالك ؛ وخمسة أشياء من صفات العبد وهي : العبودية، والاستعانة، وطلب الهداية، وطلب الاستقامة، وطلب النعمة كما قال :﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فانطبقت تلك الأسماء الخسمة على هذه الأحوال الخمسة، فكأنه قيل : إياك نعبد لأنك أنت الله، وإياك نستعين لأنك أنت الرب، إهدنا الصراط المستقيم لأنك أنت الرحمن، وارزقنا الاستقامة لأنك أنت الرحيم، وأفض علينا سجال نعمك وكرمك لأنك مالك يوم الدين.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٧
النكتة الثانية : الإنسان مركب من خمسة أشياء : بدنه، ونفسه الشيطانية، ونفسه الشهوانية، ونفسه الغضبية، وجوهره الملكي العقلي، فتجلى الحق سبحانه بأسمائه الخمسة لهذه المراتب الخمسة فتجلى اسم الله للروح الملكية العقلية الفلكية القدسية فخضع وأطاع كما قال :﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَـاـاِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد : ٢٨) وتجلى النفس الشيطانية بالبر والإحسان ـ وهو اسم الرب ـ فترك العصيان وانقاد لطاعة الديان، وتجلى للنفس الغضبية السبعية باسم الرحمن وهذا الاسم مركب من القهر واللطف كما قال :﴿الْمُلْكُ يَوْمَـاـاِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَـانِ ﴾ (الفرقان : ٢٦) فترك الخصومة وتجلى للنفس الشهوانية البهيمية باسم الرحيم وهو أنه أطلق المباحات والطيبات كما قال :﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَـاتُ ﴾ (المائدة : ٥) فلان وترك العصيان، وتجلى للأجساد والأبدان بقهر قوله :﴿مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فإن البدن غليظ كثيف، فلا بدّ من قهر شديد، وهو القهر الحاصل من خوف يوم القيامة، فلما تجلى الحق سبحانه بأسمائه الخمسة لهذه المراتب انغلقت أبواب النيران، وانفتحت أبواب الجنان. ثم هذه المراتب ابتدأت بالرجوع كما جاءت فأطاعت الأبدان وقالت :﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وأطاعت النفوس الشهواينة فقالت :﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على ترك اللذات والأعراض عن الشهوات، وأطاعت النفوس الغضبية فقالت :﴿اهْدِنَا﴾ وأرشدنا وعلى دينك فثبتنا، وأطاعت النفس الشيطانية وطلبت من الله الاستقامة والصون عن الانحراف فقالت :﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وتواضعت الأرواح القدسية الملكية فطلبت من الله أن يوصلها بالأرواح القدسية العالية المطهرة المعظمة فقالت :﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّآلِّينَ﴾.